العصف المأكول

العصف المأكول
يعرض مفهوم “العصف المأكول” كمنهج عسكري جديد قائم على الصمت والخداع، حيث أعادت المقاومة تشكيل قوتها بعيدًا عن الرصد، لتفاجئ العدو وتكسر موازين القوة، مؤكدة تفوق الإرادة والعقيدة على التكنولوجيا....

ليس الاسم مجرد استعارة عابرة، ولا هو زخرفة لغوية تُعلّق على جدار معركة عابرة؛ بل هو مفتاحٌ لفهم مشهدٍ يتجاوز حدود الجغرافيا ويدخل في صميم السنن، حيث تتلاقى الأرض بالسماء، ويصبح الغيب شريكًا في صناعة الوقائع. “العصف المأكول”… مصطلحٌ أعاد إلى الذاكرة سورةً خالدة، واستحضر صورة الطير الأبابيل وهي تقلب موازين القوة، وتعيد تعريف الغلبة.

لقد كُتب وقيل الكثير عن هذه المعركة، عن صواريخها، عن اشتباكاتها، عن موازين الردع فيها، لكن ثمة سؤال ظلّ معلقًا في فضاء الوعي، يرفض أن يُهمَل، ويتسلل بإلحاح إلى كل عقلٍ متأمل: أين كانوا؟

خمسة عشر شهرًا مضت، كانت خلالها الأرض اللبنانية، ولا سيما الجنوب، وتحديدًا جنوب النهر—نهر الليطاني—تحت مجهرٍ لا يرمش. لم تكن المراقبة عادية، بل كانت كثيفة حدّ الاختناق. الجيش اللبناني ينفذ قرارات الدولة، يبحث، يدقق، يفتش عن مخازن وأنفاق ومستودعات. قوات الطوارئ الدولية تمسح الأرض بعينٍ باردة، والعدو الصهيوني يحلّق فوق الجميع بمسيّراته، ويغوص في الأعماق بأقماره الاصطناعية المدعومة أمريكيًا وأوروبيًا، ويستند إلى شبكات عملاء تنتشر كظلالٍ خفية.

كل شيء كان مكشوفًا… أو هكذا ظنّوا.

في تلك البقعة التي ربما كانت الأكثر رصدًا على وجه الأرض، لم يُسمع صوت. لا طلقة، لا صاروخ، لا حتى همسة توحي بأن هناك حياةً عسكرية كامنة. صمتٌ ثقيل، أرهق المحبين قبل الخصوم، حتى خُيّل للبعض أن المقاومة قد انطفأت، أو أنها انسحبت من المشهد، أو لعلها انتهت.

لكن الصمت، في بعض الأحيان، ليس غيابًا… بل هو أعلى درجات الحضور.

وفجأة—وهنا تكمن المفارقة التي تُشبه المعجزة—دارت عجلة الميدان. بلا مقدمات، بلا تهديدات، بلا استعراضات إعلامية. خرجت المقاومة كما لو أنها لم تغب يومًا، بل كأنها كانت تُعيد تشكيل ذاتها في عمقٍ لا يُطال. صواريخ تنطلق بدقة، كورنيت يصيب أهدافه ببرود العارف، راجمات تتكلم بلغة النار، وشبابٌ يظهرون بثباتٍ نفسي وجسدي يُوحي أنهم لم يغادروا لحظة ميدان الإعداد.

وهنا يتعاظم السؤال: من أين خرجوا؟

هل كانت تلك الأنفاق جديدة، نُسجت تحت أعين الرصد دون أن تُرى؟ أم أنها قديمة، أُعيد إحياؤها كأنها كائنات تنتظر لحظة البعث؟ أين كانوا يتدربون؟ كيف أعدّوا خططهم؟ وكيف استطاعوا أن يعملوا في صمتٍ مطبق، بعيدًا عن كل ذكاء—اصطناعي أو بشري—يترصد أدق التفاصيل؟

كأننا أمام تجربة تتجاوز العلم العسكري التقليدي، وتدخل في ما يشبه “فقه الغياب والحضور”. لم يكونوا غائبين… بل كانوا في طور التشكل. لم يكونوا صامتين… بل كانوا يكتبون بصمتهم أخطر فصول المعركة.

لقد ظنّ العدو أن الحافة الأمامية أصبحت أرضًا ميتة؛ لا شجر فيها ولا حجر ولا بشر. أرضٌ مُفرغة من الحياة، مستباحة، مكشوفة، لا تحمل أي تهديد. لكن تلك الأرض نفسها، التي بدت قاحلة، كانت تخفي في جوفها سرًّا يشبه سرّ الطير الأبابيل: حضورٌ مفاجئ، ضربةٌ خاطفة، وقلبٌ كاملٌ لمعادلة القوة.

“العصف المأكول” هنا لا يُفهم فقط كتشبيه للنتيجة، بل كمنهج. أن يتحول جبروت القوة إلى هشيم، وأن تُقضم هيبة العدو كما يُقضم العصف بعد أن يُضرب، فتتلاشى صلابته، ويصبح أثرًا بعد عين.

ما فعلته المقاومة، وما تفعله، ليس مجرد فعلٍ عسكري، بل هو تأسيس لعلمٍ جديد. علمٌ تتداخل فيه العقيدة بالأمن، والإيمان بالتخطيط، والصبر بالفعل. علمٌ يُعيد تعريف مفاهيم الرصد، والإخفاء، والخداع، ويُثبت أن الإرادة حين تُصقل بعقيدة، تصبح قادرة على أن تُناور في مساحاتٍ لا تراها الأقمار، ولا تفك شيفرتها الخوارزميات.

لقد كانوا، بحق، أقرب إلى معجزةٍ تمشي على الأرض.

في غيابهم، كانوا يُعدّون. وفي صمتهم، كانوا يُخططون. وفي لحظة ظهورهم، كتبوا فصلًا جديدًا من فصول التاريخ، فصلًا قد تقف عنده البشرية طويلًا، لا لتُعجب فقط، بل لتتعلم.

وهكذا، يصبح “العصف المأكول” ليس مجرد اسم معركة، بل عنوان مرحلة… حيث يُهزم الغرور، وتُكسر المعادلات، ويثبت أن ما لا يُرى، قد يكون أحيانًا هو الأقوى حضورًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *