العراق في عين العاصفة ومن يتحدث عن الحياد يجهل منطق الصراع

العراق في عين العاصفة ومن يتحدث عن الحياد يجهل منطق الصراع
يرفض النص فكرة حياد العراق، مؤكداً ارتباطه العقائدي والجغرافي بإيران، ودور المقاومة كفاعل وطني في مواجهة التهديدات، معتبراً العلاقة شراكة استراتيجية، وأن الانخراط في الصراع ضرورة لحماية السيادة والهوية والمصالح...

في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، تبرز دعوات تصف نفسهابـ”العقلانية” تطالب العراق بالحياد، وكأن البلاد تعيش في فراغ جيوسياسي أو خارج سياقها العقائدي والتاريخي. غير أن هذه الدعوات، عند تفكيكها علميًا وموضوعيًا،تكشف عن قراءةسطحية أو متعمدةلتشويه طبيعة العلاقة بين العراق والجمهورية

الإسلامية، ومحاولة لفصل ما هو متصل بنيويًا على مستوى العقيدة والجغرافياوالتاريخ والمصير.

إن فكرة “حياد العراق” في صراع يُستهدف فيه عمقه العقائدي والسيادي ليست فقط غير واقعية، بل تتناقض مع معطيات موضوعية راسخة. فالعراق، بحكم تركيبته الديموغرافية حيث يشكل أتباع المذهب الشيعي ما يقارب ٧٠% من سكانه، يرتبط بمنظومة مرجعية واحدة مع شيعة إيران، وهو ارتباط يتجاوز البعد الفقهي إلى وحدة في الرؤية والموقف تجاه القضايا المصيرية، وعلى رأسها مواجهة الهيمنة والدفاع عن المقدسات.

ولا يمكن عزل هذا البعد العقائدي عن محددات الجغرافيا السياسية. فالعراق وإيران ليسا دولتين متجاورتين فحسب، بل يشتركان في حدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية متداخلة، ما يجعل أي تهديد لإحداهما انعكاسًا مباشرًا على الأخرى. وعليه، فإن الحديث عن “حياد” في ظل تهديد مشترك هو تجاهل لقاعدة أساسية في علم الاستراتيجية الأمن المشترك لا يُجزأ.

أما من زاوية التاريخ الحديث، فإن الذاكرة الشيعية في العراق مثقلة بتجارب الاستهداف الطائفي، بدءًا من حقبة النظام البعثي وما شهدته من مجازر ومقابر جماعية واستهداف للعلماء، مرورًا بمرحلة ما بعد ٢٠٠٣ حيث تصاعدت موجات الإرهاب التكفيري، وصولًا إلى اجتياح تنظيم داعش لثلث الأراضي العراقية. في كل هذه المحطات، كان الدعم الإيراني السياسي والعسكري والعقائدي حاضرًا كعامل توازن وحماية، في وقت تخلى فيه كثيرون عن العراق.

هذا التراكم التاريخي لا يمكن تجاوزه عند تحليل الموقف العراقي اليوم. فالعلاقة بين بغداد وطهران ليست تحالفًا ظرفيًا، بل هي نتاج تجربة مشتركة في مواجهة تهديدات وجودية. ومن هنا، فإن أي محاولة لفصل العراق عن هذا الامتداد هي محاولة لاقتلاع سياقه الطبيعي.

في هذا الإطار، يبرز مفهوم “المقاومة” في العراق كنتاج طبيعي لهذه البيئة المركبة. فالمقاومة ليست ظاهرة طارئة أو مستوردة، بل هي تعبير عن تفاعل العقيدة مع الواقع، وعن حاجة موضوعية للدفاع عن السيادة في ظل وجود عسكري أجنبي مستمر. وقد تجلى هذا الدور بوضوح في ما عُرف بـ”مناورة النار العراقية”، التي لم تكن مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل جزءًا من استراتيجية أوسع تُعرف بـ”وحدةالساحات”

هذه الاستراتيجية تقوم على توزيع الأدوار بين جبهات متعددة: إيران كقوة ضاربة استراتيجية، لبنان كجبهة مواجهة مباشرة، والعراق كجبهة استنزاف وتشتيت. وفي هذا السياق، لعبت الساحة العراقية دورًا محوريًا في استهداف القواعد الأمريكية،وتعطيل خطوط الإمداد، ورفع كلفة الوجود العسكري الأجنبي، ما أجبر واشنطن على إعادة توزيع مواردها الدفاعية والاستخبارية.

الأرقام والوقائع تؤكد ذلك مئات العمليات خلال أيام معدودة، استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والصواريخ، إسقاط طائرات متطورة، واستهداف دقيق لمراكز الثقل العسكري. كل ذلك يشير إلى تطور نوعي في قدرات المقاومة، وتحولها إلى فاعل استراتيجي لا يمكن تجاهله.

لكن الأهم من الجانب العسكري هو البعد السياسي والاستراتيجي. فهذه العمليات لم تكن عشوائية، بل جاءت كرد فعل مباشر على اعتداءات استهدفت السيادة العراقية، ما منحها شرعية وطنية، وليس فقط عقائدية. وهنا يتكامل البعدان الدفاع عن العقيدة يتقاطع مع الدفاع عن الوطن.

إن القول بحياد العراق في ظل هذه المعطيات يشبه مطالبة دولة بأن تتخلى عن ذاكرتها، وأن تتجاهل مصالحها، وأن تنفصل عن محيطها الطبيعي. وهو طرح لا يصمد أمام أي تحليل علمي رصين.

كما أن الحياد، في القضايا المصيرية، لم يكن يومًا خيارًا للمرجعيات الدينية التي شكّلت الوعي الشيعي عبر التاريخ. ففقه أهل البيت قائم على نصرة الحق ورفض الظلم، لا على التوازن بينهما. ومن هذا المنطلق، فإن موقف المقاومة يستند إلى مرجعية فقهية وأخلاقية عميقة، وليس مجرد حسابات سياسية آنية.

إضافة إلى ذلك، فإن القضية الفلسطينية—بوصفها القضية المركزية للأمة—تشكل عاملًا جامعًا في هذا الموقف. فالعراق، الذي لا يعترف بالكيان الصهيوني، يرى في دعم فلسطين جزءًا من هويته السياسية والدينية. ومع اتساع دائرة الاستهداف لتشمل شعوب المنطقة، من لبنان إلى اليمن، يصبح الانخراط في هذا الصراع دفاعًا عن الذات، لا مجرد تضامن.

في المحصلة، فإن العلاقة بين العراق وإيران ليست علاقة تبعية كما يُروّج، بل هي شراكة قائمة على تقاطع المصالح ووحدة التهديد. والمقاومة في العراق ليست أداة، بل فاعل وطني يستند إلى شرعية شعبية وعقائدية.

وعليه، فإن كل محاولات التشويه والتضليل التي تستهدف هذه العلاقة، إنما تسعى إلى تفكيك جبهة متماسكة أثبتت قدرتها على التأثير في موازين القوى. غير أن الوقائع على الأرض، والتاريخ القريب، والعقيدة الراسخة، كلها تشير إلى حقيقة واحدةالعراق لا يمكن أن يكون محايدًا في معركة تُحدد مستقبله وهويته  بل هو جزء أصيل منها، شاء من شاء وأبى من أبى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *