لم يعد الحديث عن الوجود
العسكري الأمريكي في منطقة غرب آسيا مجرد نقاش حول تحالفات أمنية تقليدية، بل أصبح ملفًا موثقًا يكشف عن بنية تمويلية متكاملة تقودها دول الخليج، تشكل العمود الفقري للانتشار العسكري الأمريكي، وتعيد تعريف طبيعة الصراع في المنطقة من كونه صراعًا جيوسياسيًا إلى كونه مشروعًا ممولًا بالكامل من عواصم النفط.
الوثائق والتقارير المالية، بما فيها ما ورد في ملف “التمويل الخليجي للقواعد الأمريكية” تكشف بوضوح أن دولًا مثل قطر والكويت والسعودية والإمارات لم تكن مجرد دول مضيفة، بل تحولت إلى ممول مباشر وشريك لوجستي في بنية العمليات العسكرية الأمريكية.
ففي قطر، لم تكتفِ الدوحة باستضافة قاعدة العديد، بل موّلت بناءها بالكامل تقريبًا، مع استثمارات تجاوزت مليار دولار منذ التأسيس، واستمرت بتوسعتها بمليارات إضافية لتحويلها إلى قاعدة دائمة، إلى جانب تحمل جزء كبير من تكاليف التشغيل السنوية.
وفي الكويت، يظهر النموذج الأكثر سخاءً، حيث لم يقتصر الدعم على التمويل المباشر بمليارات الدولارات، بل شمل تقديم أراضٍ مجانية، وطاقة مدعومة، وتسهيلات تشغيلية واسعة، فضلًا عن تمويل عمليات عسكرية مرتبطة بالعراق والمنطقة.
أما السعودية، فقد اتخذت دور الممول الاستراتيجي عبر صفقات دفاعية هائلة بمئات المليارات، وتعهدات استثمارية تصل إلى تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، ما يجعلها شريكًا بنيويًا في استدامة التفوق العسكري الأمريكي.
في حين اعتمدت الإمارات نموذج “التكامل الدفاعي” عبر إنفاق ضخم على أنظمة الدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية المرتبطة مباشرة بالعمليات الأمريكية، بما في ذلك صواريخ الاعتراض التي تستخدم لحماية القواعد والأصول العسكرية المشتركة.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد تعاون دفاعي، بل تعكس واقعًا استراتيجيًا مفاده أن الحرب الأمريكية في المنطقة، بما فيها أي مواجهة محتملة مع إيران، ما كانت لتكون ممكنة لولا هذا التمويل الخليجي السخي، الذي وفر البنية التحتية، والغطاء اللوجستي، والقدرة التشغيلية للقوات الأمريكية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذا التمويل عن طبيعة الأهداف التي تخدمها هذه القواعد، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجزء الأكبر من النشاط العسكري الأمريكي يتمحور حول حماية الكيان الصهيوني وتعزيز تفوقه، وهو ما يحول هذا الدعم من “تحالف أمني” إلى مساهمة مباشرة في معادلة الردع المختلة في المنطقة.
ومن هنا، ترى الجمهورية الإسلامية أن هذا السلوك الخليجي لا يمكن تفسيره ضمن إطار الحياد أو الدفاع الذاتي، بل هو شراكة فعلية في تمكين العدوان، سواء من خلال التمويل المالي المفتوح، أو توفير القواعد، أو شراء منظومات السلاح التي تندمج عمليًا ضمن المنظومة الأمريكية.
بل إن القراءة الأعمق تكشف أن هذا الدور يتجاوز الدعم غير المباشر، ليتحول إلى تمهيد استراتيجي لمرحلة لاحقة قد تشهد انخراطًا عسكريًا مباشرًا، خاصة في ظل سباق التسلح الخليجي، وتكديس الأسلحة المتطورة، وأنظمة الدفاع والهجوم، التي لا يمكن فصلها عن سيناريوهات المواجهة مع إيران.
لقد برز هذا المسار بوضوح بعد أحداث السابع من أكتوبر، حيث تزامن التصعيد العسكري في غزة ولبنان مع استمرار تدفق الدعم المالي واللوجستي الأمريكي المدعوم خليجيًا، ما عزز من فرضية أن هذه المنظومة تعمل كوحدة متكاملة، تتوزع فيها الأدوار بين التمويل الخليجي، والتنفيذ الأمريكي، والاستفادة الصهيونية.
وفي المحصلة، فإن ما تدعيه بعض الدول الخليجية من “عدم الانخراط في الحرب” يبدو أقرب إلى خطاب سياسي للاستهلاك الإعلامي، في حين أن الوقائع المالية والعسكرية تؤكد أنها جزء لا يتجزأ من بنية الصراع، بل تمثل أحد أهم ركائزه.
إن فتح الخزائن السيادية، وتسخير الثروات النفطية لدعم القواعد العسكرية، وتمويل العمليات، لا يمكن قراءته إلا كخيار استراتيجي واعٍ، يضع هذه الدول في موقع الشريك في إعادة تشكيل المنطقة، وفق رؤية تقوم على إضعاف الدول المركزية، واستنزاف قواها، وإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم المشروع الأمريكي–الصهيوني.وعليه، فإن الأرقام الواردة في التقارير، وحجم الاستثمارات العسكرية، واتساع القواعد، ليست مجرد مؤشرات مالية، بل أدلة دامغة على أن التمويل الخليجي يشكل حجر الأساس في معادلة الحرب، وأن أي حديث عن توازن إقليمي أو استقلال قرار سياسي يبقى منقوصًا ما دامت هذه البنية قائمة.


