ليس الصراع مع قوى الاستكبار صراعًا عسكريًا مجردًا، ولا مواجهة سياسية عابرة، بل هو في جوهره اختبارٌ عقائدي عميق يكشف معادن الرجال ويفرز المواقف بين من استجاب لنداء الله ومن استسلم لهواجس الخوف والضعف. إن الخطاب القرآني الحاسم في قوله تعالى {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} لا يقدّم دعوة ظرفية، بل يؤسس لمنهجٍ رسالي دائم في مواجهة الطغيان، حيث يتحول المؤمن إلى أداةٍ لتنفيذ الإرادة الإلهية في كسر شوكة الباطل وإعادة التوازن للحق.هذا المفهوم لا ينطلق من نزعة انتقامية أو عقدة نفسية، بل من وعيٍ رسالي عميق تشكّل عبر تاريخ طويل من الاضطهاد والتضحية. فـ”شفاء الصدور” الذي يتحدث عنه القرآن ليس شفاء الحقد، بل شفاء المظلومية، حين يرى المؤمن أن دماء الشهداء لم تذهب سدى، وأن الظلم لا يمكن أن يستمر أمام إرادة الله. وهذا ما جسّده النبي محمد صلى الله عليه وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، حين واجهوا قوى الشرك والظلم بثباتٍ لم يتزعزع، من بدر إلى كربلاء، حيث تحولت التضحية إلى معيارٍ للحق، والموقف إلى هوية.
وفي ضوء هذا الفهم، فإن ما يجري اليوم من مواجهة بين الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة من جهة، وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة أخرى، ليس حدثًا طارئًا، بل امتداد طبيعي لهذا الخط الرسالي. إن الذين يقاتلون اليوم لا ينطلقون من حسابات مادية بحتة، بل من استجابةٍ مباشرة لقوله تعالى {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}، حيث يُعاد ترتيب الخوف في نفس المؤمن، فلا يعود يخشى قوةً مهما بلغت، بل يخشى التفريط بأمر الله.
في المقابل، يبرز صوت المثبطين والمهزوزين الذين يروّجون لفكرة حتمية انتصار أمريكا وهيمنتها، وهؤلاء في حقيقتهم لا يقرؤون الواقع بقدر ما يعكسون ما في داخلهم من فراغٍ إيماني وهزيمة نفسية. إنهم يقيسون الصراع بموازين القوة المادية فقط، متناسين أن التاريخ الإسلامي منذ بداياته قام على كسر هذه المعادلات، وأن معارك كبرى حُسمت بالإيمان قبل السلاح. هؤلاء لم يذوقوا طعم الحرية التي يعيشها المؤمن المجاهد، لأنهم أسرى الخوف من الدنيا، يهربون من المسؤولية، ويتعلقون بأوهام السلامة، حتى لو كانت على حساب الكرامة والعقيدة.
إن القرآن نفسه حسم هذا الجدل حين طرح سؤال الاختبار {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ}، فالإيمان ليس ادعاءً، بل موقف يُمتحن في ميادين المواجهة، حيث تتزلزل الأقدام وتنكشف النوايا. هناك من يثبت فيحول الضعف إلى قوة، وهناك من يتساقط أمام إغراءات الدنيا ومخاوفها، فيتحول إلى أداة تثبيطٍ تخدم العدو من حيث لا يشعر.
ومن أخطر ما يروّجه هؤلاء هو تحميل المقاومة مسؤولية الحروب، متجاهلين أن أصل العدوان هو من بدأ القتل ونكث العهود واعتدى على المدن واستهدف القادة. إن هذا الخطاب يعكس انقلابًا في المفاهيم، حيث يُلام المدافع ويُبرّأ المعتدي، بينما يؤكد القرآن أن الدفاع عن النفس والحق هو استجابة لأمر إلهي {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. فالمواجهة هنا ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة لحفظ الكرامة والوجود.
إن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، التي تمثل الامتداد الحقيقي لنهج النبوة، قامت على رفض الظلم وعدم الركون إلى الطغاة، وقدّم الإمام الحسين عليه السلام النموذج الأسمى حين قال “هيهات منا الذلة” ليؤسس لقاعدة عقائدية مفادها أن الخسارة الحقيقية ليست في الموت، بل في الاستسلام. ومن هذا المنطلق، فإن كل مقاومة تقف بوجه الاستكبار إنما تتحرك ضمن هذا الامتداد، مهما حاول البعض تصويرها كمغامرة خاسرة.
في النهاية، يبقى الفارق واضحًا بين من ينطلق من وعد الله ومن ينطلق من خوفه، بين من يرى في المعركة طريقًا للنصر الإلهي ومن يراها طريقًا للهزيمة الحتمية. فالأول يعيش الطمأنينة حتى في قلب النار، والثاني يعيش القلق حتى في ظلال السلام. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة: إرادة تقاتل بوعد الله، وأصوات تُثبّط بوهم القوة.
وحين تُحسم المعادلة، لن يكون النصر مجرد تفوق عسكري، بل تجلٍ لوعدٍ إلهي صادق، حيث يذوق الطغاة بعض ما صنعوا، ويتحقق قوله تعالى {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}، ليبقى الدرس قائمًا: أن من يخشى الله لا يُهزم، ومن يخشى غيره لن ينتصر.


