العراق بين عقدة الجغرافيا ومعركة الاقتصاد

العراق بين عقدة الجغرافيا ومعركة الاقتصاد
العراق عقدة جغرافية واقتصادية في صراع مفتوح. مضيق هرمز أصبح ورقة ضغط، وإيران قدّمت نموذج صمود. التحديات تمتد من استهداف المنشآت إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية. التوازن مرهون بقراءة واعية للمصالح الوطنية....

في قلب التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة يبرز مشهد معقد تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد وتتقاطع فيه القوة العسكرية مع الارادة السياسية لتنتج معادلة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات حيث لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي بل تحول الى عقدة استراتيجية تتحكم بمفاصل الطاقة العالمية وورقة ضغط بيد من يمتلك القدرة على التحكم بإيقاعه سواء عبر فرض الرسوم على السفن التجارية او عبر التلويح بإغلاقه في لحظات التصعيد.

ان استهداف المنشآت النفطية لم يعد حدثا عابرا بل اصبح جزءا من حرب اقتصادية منظمة تهدف الى ضرب مصادر الدخل وتقويض الاستقرار الداخلي للدول المستهدفة وهو ما يتقاطع مع مفهوم التهديد الوجودي الذي لم يعد يقتصر على العمل العسكري المباشر بل يمتد الى خنق الاقتصاد وشل القدرة على اتخاذ القرار السيادي.

وفي هذا السياق يبرز التطور العسكري كعامل حاسم حيث لم تعد موازين القوة تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات بل بمدى القدرة على توظيف التكنولوجيا والصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة في رسم قواعد اشتباك جديدة تجعل من اي عدوان مكلفا وغير مضمون النتائج وهو ما يفسر حالة القلق المتزايد لدى القوى التقليدية التي اعتادت فرض ارادتها دون حسابات معقدة.

اما الاطماع الجيوسياسية فهي المحرك الخفي لكل هذه الصراعات حيث تسعى قوى كبرى الى اعادة رسم خرائط النفوذ بما يضمن لها السيطرة على طرق الطاقة والممرات الحيوية وهو ما يجعل بعض الدول العربية تقع في فخ التحول الى دول وظيفية تؤدي ادوارا مرسومة لها ضمن هذا المشروع مقابل ضمانات هشة لا تصمد امام تغير المصالح.

وفي مقابل هذا المشهد يظهر نموذج الصمود الايراني كحالة تستحق القراءة حيث تمكنت ايران من امتصاص الضغوط الاقتصادية والعسكرية عبر بناء منظومة ردع متعددة المستويات مستندة الى عمقها الجغرافي والبشري والى شبكة علاقات اقليمية تجعل من استهدافها مغامرة محفوفة بالمخاطر وهو ما ينعكس بشكل مباشر على العراق الذي يمثل الممر الرئيسي في المنطقة سواء من حيث الجغرافيا او من حيث التوازنات السياسية والاقتصادية.

العراق اليوم ليس مجرد ساحة بل عقدة وصل بين مشاريع متنافسة مما يجعله هدفا دائما لمحاولات الاختراق والتفكيك سواء عبر اثارة الانقسامات الداخلية او عبر توظيف بعض المكونات كورقة ضغط وفي هذا الاطار يبرز الملف الكردي كعامل حساس يمكن استغلاله لخلق بؤر توتر تهدد وحدة الدولة العراقية وتنعكس سلبا على امن الجمهورية الاسلامية بحكم الترابط الجغرافي والسياسي.

اما الضربات الصهيو امريكية فهي لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع اوسع يسعى الى اعادة تشكيل البيئة الامنية في العراق والمنطقة من خلال استهداف القوى التي تمتلك القدرة على الردع وعلى رأسها الحشد الشعبي وقياداته وهو ما يستدعي ضرورة وضع خارطة دقيقة لهذه الاستهدافات لفهم اتجاهاتها وغاياتها وكشف النوايا الحقيقية التي تقف خلفها.

ان المؤشرات التي توحي بمحاولة افراغ الساحة لقوى بديلة مثل الجولاني لا يمكن تجاهلها فهي تعكس سعيا لاعادة تدوير الجماعات المسلحة ضمن صيغ جديدة تخدم نفس الاهداف القديمة وهو ما يفرض على صناع القرار في العراق التعامل مع هذه التحديات بعقلية استراتيجية بعيدة عن ردود الفعل المؤقتة.

في خضم كل ذلك يبقى موقف ايران تجاه العراق عاملا مهما في معادلة التوازن حيث اثبتت التجارب ان طهران لم تتخل عن بغداد في اصعب الظروف سواء في مواجهة الارهاب او في دعم استقرار الدولة وهو ما يمنح العلاقة بين البلدين بعدا يتجاوز المصالح الضيقة الى مستوى الشراكة الاستراتيجية التي تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ.

ان المرحلة المقبلة لن تكون سهلة لكنها تحمل في طياتها فرصا لمن يمتلك القدرة على قراءة المشهد بعمق وبناء خياراته على اساس المصالح الوطنية بعيدا عن الضغوط الخارجية فالعراق اذا احسن توظيف موقعه وموارده يمكن ان يتحول من ساحة صراع الى مركز توازن اقليمي يعيد رسم المعادلات بما يخدم استقراره واستقرار المنطقة بأسرهاؤ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *