من خنادق المقاومة إلى موائد التنازل. كيف مُنحت أمريكا انتصارها المجاني في العراق؟

من خنادق المقاومة إلى موائد التنازل. كيف مُنحت أمريكا انتصارها المجاني في العراق؟
يرى الطرح أن الولايات المتحدة انتقلت من المواجهة العسكرية إلى إدارة التوازنات السياسية العراقية بهدف احتواء قوى المقاومة وتحويل الصراع إلى نزاع داخلي، بما يضمن بقاء القرار العراقي خاضعًا للتأثيرات الخارجية ويمنع تشكل مشروع وطني مستقل....

المشكلة في العراق ليست أن أمريكا مازالت تتدخل في تشكيل الحكومات، فهذه حقيقة لم تعد تحتاج إلى دليل، بل المشكلة الأخطر أن جزءاً من الطبقة السياسية وجمهورها بات يتعامل مع هذا التدخل باعتباره أمراً طبيعياً، بل ويصف نتائجه بالانتصار السياسي. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، لأن الاحتلال عندما يفشل عسكرياً لكنه ينجح في إعادة تشكيل الوعي السياسي لخصومه، يكون قد حقق أخطر أنواع الانتصارات.

الولايات المتحدة خسرت الكثير داخل العراق منذ 2003 وحتى اليوم. خسرت جنوداً، وخسرت هيبتها العسكرية، واضطرت إلى إعادة التموضع أكثر من مرة تحت ضغط العمليات المسلحة وتصاعد الرفض الشعبي لوجودها. لكنها في المقابل لم تتخلَّ عن مشروعها الأساسي، وهو إعادة إنتاج سلطة عراقية لا تشكل تهديداً استراتيجياً لمصالحها ولا تسمح بتحول العراق إلى جزء فعلي من محور إقليمي معادٍ لها. ولهذا انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة المشهد السياسي والاقتصادي والأمني بأدوات أكثر هدوءاً وأقل كلفة.

ما جرى في تشكيل الحكومة الأخيرة لا يمكن قراءته بعيداً عن هذا السياق. فالقوى التي تُصنف على أنها الأقرب إلى إيران أو الأكثر تشدداً في رفض المشروع الأمريكي تعرضت إما إلى الإقصاء أو التحجيم أو الفيتو السياسي غير المعلن. العصائب بقيت محاصرة سياسياً، ودولة القانون جرى التعامل معها كقوة يجب منع عودتها إلى مركز القرار التنفيذي، فيما بقيت أطراف أخرى خارج التأثير الحقيقي داخل الحكومة والبرلمان. هذه ليست مصادفات سياسية، بل عملية إعادة هندسة دقيقة للتوازنات داخل البيت الشيعي نفسه، بما يضمن وجود سلطة أقل تصادماً مع الرؤية الأمريكية والخليجية للمرحلة القادمة.

والأخطر أن أمريكا لم تعد تبحث فقط عن تحجيم فصائل المقاومة عسكرياً أو سياسياً، بل تسعى إلى تحويل الصراع معها من صراع احتلال ومقاومة إلى صراع داخلي عراقي ـ عراقي، تكون فيه الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية في مواجهة فصائل المقاومة والحشد الشعبي، بينما تبقى واشنطن بعيدة عن كلفة المواجهة المباشرة. إنها تحاول أن تجعل الخسائر عراقية بالكامل، والدم عراقياً، والانقسام عراقياً، فيما تراقب هي المشهد من الخلف باعتبارها “الوسيط” أو “الداعم للاستقرار”.

وهذا السيناريو ليس جديداً، بل جرى العمل عليه في أكثر من ساحة إقليمية. ففي سوريا، جرى دفع السلطة الجديدة بعد الجولاني نحو تقديم نفسها كخصم للفصائل المرتبطة بمحور المقاومة أكثر من كونها في مواجهة المشروع الأمريكي. وفي لبنان، تحاول بعض القوى الدولية والإقليمية الدفع باتجاه تحويل الدولة إلى أداة اشتباك سياسي وأمني مع المقاومة، بحيث تصبح الحكومات نفسها في موقع العداء للفصائل الشعبية الشيعية بدلاً من أن يبقى الصراع مع الاحتلال أو الهيمنة الخارجية. والهدف النهائي من كل ذلك هو استنزاف بيئات المقاومة من الداخل، وكسرها بأيدي أبناء بلدانها لا بالقوة الأمريكية المباشرة.

الأخطر من ذلك أن بعض المدونين والناشطين المحسوبين على البيئة الشيعية باتوا يشاركون، بوعي أو بدونه، في تسويق هذا التحول على أنه “انتصار للعقلانية” أو “هزيمة للتطرف”، بينما الحقيقة أن ما يجري هو تفكيك تدريجي لأي قوة يمكن أن تمتلك قراراً مستقلاً خارج الإرادة الدولية والإقليمية. وهنا يظهر الفرق الكبير بين بيئات سياسية تؤمن بالمشروع الذي تتبناه، حتى لو دفعت ثمنه حصاراً أو حرباً، وبين بيئات استهلكتها المصالح الحزبية والتسويات المؤقتة.

في إيران أو لبنان أو اليمن، هناك قناعة راسخة بأن ما لا يتحقق بالمواجهة لا يُمنح مجاناً على طاولة السياسة، لذلك تبقى الثوابت محفوظة مهما تغيرت التكتيكات. أما في العراق، فإن كثيراً من القوى التي رفعت شعارات المقاومة لسنوات دخلت تدريجياً في منطقة الرمادي السياسي، حتى أصبحت بعض الحكومات تُشكَّل وفق معايير القبول الخارجي أكثر من معايير الاستحقاق الداخلي أو التوازن الوطني.

أما الحديث عن إشراك بعض الشخصيات القريبة من محور المقاومة داخل الحكومة، فهو أقرب إلى محاولات التجميل السياسي منه إلى الشراكة الحقيقية. فالسلطة لا تُقاس بعدد المناصب، بل بحجم القرار الذي تمتلكه تلك المناصب. ومن الواضح أن أي شخصية لا تنسجم مع الإيقاع الدولي المفروض على الحكومة ستُحاصر سريعاً أو تُدفع إلى الاستقالة عند أول أزمة حقيقية.

إيران من جهتها تدرك هذه المعادلة جيداً، ولهذا تتعامل بهدوء مع المشهد العراقي، لأنها تنظر إلى السياسة بمنطق الدول لا بمنطق الانفعالات. فهي تعرف أن كثيراً ممن يعلنون القرب منها في الإعلام يتحركون في الواقع ضمن مسارات مختلفة تماماً، كما تدرك أن الصراع داخل العراق لم يعد صراع شعارات بقدر ما أصبح صراع نفوذ وإدارة مصالح وتوازنات دولية معقدة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من ربح تشكيل الحكومة؟ بل: من يمتلك القرار الفعلي داخلها؟ لأن الحكومات التي تولد تحت ضغط التوازنات الخارجية قد تنجح مؤقتاً في تهدئة الصراع السياسي، لكنها تبقى عاجزة عن إنتاج مشروع وطني مستقل، وتتحول مع الوقت إلى مجرد إدارة مؤقتة لأزمات أكبر مؤجلة الانفجار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *