من رقيب وممثل للشعب إلى مهرج ومطبل إعلامي نشاهد كثيرا في هذه الأيام الركن الأساسي للسلطة التشريعية أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجالس المحافظات وهم ينتحلون شخصيات إعلامية بدلاً من تقمص دورهم الحقيقي في مراقبة الحكومة ومحاسبتها وسن القوانين الحيوية لإنقاذ البلاد من واقعها البائس. تحولت قبة البرلمان عند البعض إلى منصة استعراض وعدسات وكاميرات ومسرح خطابات جوفاء لا تحمل مشروعاً ولا رؤية ولا حتى شعوراً بالمسؤولية تجاه شعب أنهكته الأزمات والحروب والبطالة والفقر.
لم يعد النائب في نظر كثيرين مشرعاً أو ممثلاً للشعب بل صانع محتوى سياسي يتقن التصوير أكثر مما يتقن القراءة ويتفنن في صناعة اللقطة المؤثرة أكثر من تفننه في صياغة قانون يحفظ كرامة الناس. يدخل إلى مؤسسة حكومية تحيطه الكاميرات ويبدأ بالصراخ والتوبيخ أمام الموظفين والمدراء وكأنه بطل شعبي جاء لينتزع حقوق الفقراء ثم تنتهي المسرحية بمجرد انتهاء التصوير ليجلس بعدها خلف الأبواب المغلقة من أجل عقد الصفقات وتقاسم المصالح وتثبيت المحاصصة وتوزيع الوظائف على الأتباع والركائز والمؤثرين الذين يلمعون صورته في مواقع التواصل.
تصوير الفعاليات أصبح جزءاً من الأداء السياسي الكاذب حيث يمارس النائب نوعاً من التضليل النفسي عبر التركيز على الحدث العاطفي الذي يثير الناس ويخدع البسطاء. حضور دائم في المؤتمرات والمهرجانات والولائم والاجتماعات المليئة بالتصفيق والتبجيل والمديح المؤقت من جمهور يبحث عن منفعة أو واسطة أو فتات من الامتيازات. هناك من يهتف له اليوم لأنه وعده بتعيين أو عقد أو استثناء لا لأنه مؤمن بقدراته أو مشروعه الوطني.
وأبرز ما يثير السخرية أن أغلب هؤلاء النواب يعيشون على الشعارات الفارغة التي تتبدل كل موسم انتخابي. شعارات مثل احنه گدها ونكدر نبنيها والعراق بينا أقوى وسائرون نحو التغيير تحولت إلى أناشيد استهلاكية فقدت معناها منذ سنوات لأن أصحابها بالكاد يتذكرون ما قالوه بالأمس. يكررون الكلام نفسه في كل دورة انتخابية بينما الواقع يزداد انهياراً والخدمات تتراجع والفساد يتوحش والدولة تذوب داخل الأحزاب والمصالح الضيقة.
النواب ليسوا وحدهم في هذه المهزلة بل هناك جمهور وفي يصفق لهم ويدافع عنهم بعاطفة عمياء كأنهم أنبياء السياسة أو منقذو البشرية. هؤلاء لا يمكن وصفهم بالضحايا دائماً لأن جزءاً منهم تحول إلى شريك في تكريس الفساد والانحدار. بعضهم ينتظر حصته من المال الأسود أو وظيفة أو عقد أو حماية حزبية ولذلك يبرر كل فشل وكل سرقة وكل فضيحة. أصبح الولاء عند البعض أقوى من الوطن وأصبحت الطائفة والحزب والعشيرة أهم من الحقيقة والعدالة والكفاءة.
أما منتحل الذكاء في الدور الرقابي فهو كائن خطابي بامتياز يرتدي قناع الإصلاح أمام الكاميرات فقط. يداهم الدوائر الحكومية ويصرخ بوجه الموظفين ويرفع صوته عن الفساد والتقصير ثم يختفي كل شيء بعد انتهاء البث المباشر. لا ملفات حقيقية تفتح ولا مسؤول كبير يحاسب ولا منظومة فساد تسقط لأن الهدف لم يكن الإصلاح أصلاً بل صناعة بطولة زائفة تمنحه مزيداً من التصفيق والمتابعين والنفوذ الانتخابي.
الأخطر من ذلك أن هذا الانحدار السياسي صنع جيلاً كاملاً يعتقد أن السياسة مجرد استعراض وصراخ وشعارات لا علم ولا كفاءة ولا مشروع دولة. صار الوصول إلى السلطة لا يحتاج إلى تاريخ نزيه أو خبرة إدارية أو ثقافة قانونية بل يحتاج إلى ممول كبير وجيش إلكتروني وخطاب شعبوي قادر على خداع الجماهير واستغلال غضبهم وآلامهم. وهكذا تتحول الدولة شيئاً فشيئاً إلى غنيمة تتقاسمها الوجوه نفسها بينما يبقى الشعب يدفع الثمن من مستقبله وكرامته وأحلامه.
في الختام إن أحقية أي فرد في الحكم يجب أن تبنى على أساس الكفاءة والنزاهة لا على أساس الولاءات والانتهازية والمحاصصة. فحين يفسح المجال لغير الأكفاء في دولة ينهشها الفساد تكون النتيجة مزيداً من التراجع والضياع والانهيار. ولا يمكن لأي وطن أن ينهض ما دام الفاسد يكرم والكفوء يهمش والجاهل يتصدر المشهد باسم الشعب. سيبقى الأمل معقوداً على وعي الناس حين يدركون أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الشعارات ولا من التصفيق بل من رفض إعادة تدوير الوجوه نفسها ومحاسبة من حول السياسة إلى تجارة ومنصب إلى مزاد مفتوح على حساب وطن جريح وشعب يستحق الحياة .

