استهداف حقل بارس الغازي الايراني، حبلُ إسرائيل لجَرِّ الخليج مباشرة للحرب

استهداف حقل بارس الغازي الايراني، حبلُ إسرائيل لجَرِّ الخليج مباشرة للحرب
استهداف إسرائيل حقل بارس الجنوبي يهدف إلى جرّ دول الخليج إلى الحرب ضمن مخطط إسرائيل الكبرى. إيران تهدد بضرب منشآت خليجية، فيما تدفع بعض القيادات الخليجية ثمناً باهظاً لحسابات ليست من صالحها...

كثيرون تحدثوا ان إسرائيل إنما دفعت اميركا لتأجيج هذه الحرب ضد ايران، في سبيل جر المنطقة الى أوار الحروب البينية وتدمير البنى التحتية لقوى المنطقة، تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى في الخطوة اللاحقة. وهذا الكلام ليس سراً بل تحدث به كبار الحاخامات والتلموديون الإسرائيليون، بل حتى اكاديمييهم جهاراً في محافل عدة.

ووفقاً لذلك، فما لمسناه من تصعيدٍ إسرائيلي في قواعد الاشتباك واستهدافهم لأكبر حقلٍ غازيٍ في المنطقة والعالم (حقل بارس الجنوبي) في بوشهر الايرانية إنما هو بمثابة صاعق تفجير وتدمير للمنطقة برمتها.

معلومٌ أن حقل (بارس الجنوبي) هو أكبر حقلٍ غازي في العالم، ويزود ما يصل لـ70% من إحتياجات إيران المحلية من الغاز الطبيعي، وان كارثة إخراجه عن الخدمة تمثلُ ضربةً غاية في القسوة والخطورة للاقتصاد وللحياة اليومية للإيرانيين، بل وحتى للجيران العراقيين الذين يعتمدون على إمداداته في تغذية محطاتهم الكهربائية منذ أعوام مديدة.

وبقليل من الرصد، يتضح ان هذا العدوان على المصالح الغازية والبنية التحتية للطاقة الإيرانية إنما نُفِّذَ  حصرياً – وعلى لسان مسؤولٍ إسرائيلي- من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، وتَبِعَهُ فيما بعد تصريحٌ لمسؤولٍ بوزارة الحرب الأمريكية لموقع (أكسيوس) مفاده أنّ الضربة كانت بالتنسيق مع الجانب الأميركي، ما يشي بانَّ العدوان كان إسرائيلياً بحتاً، تم اخطارُ الاميركيين به فيما بعد كرفعٍ للعتب.

دون ريب، ان هذه الكارثة الاقتصادية ستحمل ايران على الرد بالمثل، وستستهدف حقول النفط ذات الأسهم والمصالح المشتركة في المنطقة، فليس بخافٍ ان العديد من الحقول النفطية والمنشآت الغازية في بلدان الخليج ذات اصول محلية واميركية واسرائيلية مشتركة وفقاً لبيانات معلنة وليست سرية.

ورداً على هذا التصعيد المهول من قبل اسرائيل في وتيرة الحرب، لم ينتظر الحرس الثورة الإيرانية كثيراً، إذْ سارعوا بنشر قائمة بالمنشآت النفطية والغازية في كلٍ من قطر و السعودية والإمارات ، واصفين إياها بـ (اهدافٍ مشروعة)، بينها: مصفاة رأس لفان ومجمع مسيعيد في قطر، ومصفاة سامرف ومجمع الجبيل في السعودية، وحقل الحصن الغازي في الامارات، ولربما تكون الدفعات الصاروخية الإيرانية قد دكت تلك المنشآت بالفعل ـ ساعة تدوين هذا المقال ـ.

نار الرد الإيراني، وقرص إسرائيل:

عموماً، الرد الإيراني المتمثل باستهداف المنشآت النفطية والغازية والطاقوية في الدول الخليجية سيتيح لأسرائيل ان تمارس اقصى الضغوط على قياداتِ المنطقة وربما الأردن ومصر لاحقاً، للمشاركة الفعلية وبصورةٍ مباشرةٍ في هذه الحرب، وبالطبع هذا هو المطلوب اسرائيلياً. حينها سيتحقق لتل ابيب مكاسب استراتيجية عبر التدمير والتخريب في البنى التحتية في ايران والمنطقة، وبالتالي احداث هزاتٍ وتفككٍ في بنية المنظومات الحاكمة هناك، ما سيسهل لإسرائيل السيطرة على بلدان الخليج لاحقاً، وتنفيذ مخططاتها بإقامة (إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات) كما يصرح مبرزو الكيان كـ(نتنياهو) و(سموتريش) و(بن كفير) و(لابيد) علناً، بل حتى السفير الأمريكي في تل ابيب (مايك هاكابي) الذي صرح بإنه (سيكون من الجيد) أن تسيطر إسرائيل على الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات.

تداعيات حرب الطاقة الإسرائيلية على الإقليم والعالم:

من البديهي، انه ومع تأجيج إسرائيل لحرب الطاقة في المنطقة، ستكون هناك تداعيات كارثية عليها وعلى العالم. فأسواق الطاقة صدمت بارتفاعاتٍ غير مسبوقة لخام برنت القياسي، وتحليق أسعار الغاز في أوروبا، وتعاظم القلق والمخاوف العالمية من مغبة هذا الاتساع في رقعة الحرب بعد ان طالت البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

 خانق مضيق هرمز وشلل الملاحة:

ولعل ما يزيد الطين بلة تلك المضاعفات التي نتجت عن انغلاق مضيق هرمز الحيوي، وما اسفر عن شللٍ شبه كامل في الملاحة التجارية العالمية بهذا المضيق، وما يخلفه كل يوم من آثار اقتصادية على أسواق الطاقة العالمية، وعلى سلاسل التوريد وانسيابية الملاحة البحرية وعلى الاستقرار الاقليمي  إجمالاً.

المفارقة الخليجية.. إنخراط رغم التحذير ودفع الثمن نيابة عن الغير

اللافت للنظر، أنَّ قوى دولية كبرى نأت بنفسها عن الانخراط في هذه الحرب كبريطانيا وفرنسا وألمانيا واسبانيا وأستراليا رافضةً الانصياع لدعوات ترامب للانخراط فيها، معتبرة إياها حرباً لا تخدم مصالحها الاستراتيجية، وأنَّها بمثابة حرب نتنياهو – الذي ورط بها ترامب – تلبية لطموحات توسعية إسرائيلية أكثر مما هي حرب ضرورية لتوفير الأمن الجماعي.

أقول، بإزاء هذه الحسابات الدقيقة للمصالح، وهذه العقلانية الأوروبية، نجد أنَّ قياداتٍ خليجيةً سارت بالاتجاه المعاكس، باديةً مواقفَ غير عقلانية تماماً، ومجسدةً إنسياقاً خليجياً كاملاً خلف الإرادة الأمريكية والإسرائيلية. فعوضاً عن تحكيم العقلانية كما في المواقف الأوروبية، وجدنا قادة في المنطقة يصرحون بأنهم (يدرسون بجدية الدخول المباشر في الحرب)، غير آبهين بمقدرات ومصالح شعوبهم، جاعلين من التضحية بها واجباً مقدساً !! في سبيل تنفيذ مشاريع تل ابيب التوسعية في منطقتهم.

وبقراءة محايدة، فإنَّ الانصياع الخليجي لإسرائيل والتفريط بالمصالح المحلية، ما هو إلا نوعٌ من (العمالة لإسرائيل)، أو بأقل التوصيفات هو (سذاجة سياسية مفرطة)، إن لم نقل (إلقاء النفس الى التهلكة)، لاسيما وان قادة تلك البلدان أدركوا عن قرب أن الوجود العسكري الأمريكي والقواعد الإسرائيلية لم تجلب لهم الأمن المزعوم، بل على العكس، تولوا هم مسؤولية توفير الحماية لها باعتراض الصواريخ والمسيرات الايرانية المتجهة لتلك القواعد، ودفعوا أثماناً باهضة جراء احتضانها وإيوائها، حيث غدت – ومنذ الأيام الأولى للحرب – غدت سماء الخليج واراضها ساحة حربٍ مفتوحة، وتولت الدفاعات الجوية المحلية في مهام إعتراض واسقاط الصواريخ والمسيرات الايرانية المتجهة للقواعد الأميركية والإسرائيلية.

وبكلمة، فالحرب إسرائيلية أميركية بامتياز فُرِضَتْ على المنطقة وتُتَّخَذُ قراراتها في تل ابيب وواشنطن. فيما انخرط أبناء المنطقة في دفع كلفها الباهضة من أرواحهم وبنيتهم التحتية، ليجد الخليجيون انفسهم بنهاية المطاف هم الطرف الأشد تضرراً وأقل مكسباً في هذه الحرب، محشورين مورطين في إطار سيناريو إسرائيلي محكم يخدم بالكامل مخططات إسرائيل الكبرى، محيلاً دول المنطقة دروعاً بشريةً للمشروع الصهيوني التوسيعي، فهل من مدكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *