هل تنهي إيران المجتبى أحادية القطب الواحد؟

هل تنهي إيران المجتبى أحادية القطب الواحد؟
تتحدى إيران منذ ثورتها 1979 الهيمنة الأمريكية الأحادية. اعتمدت على الذات وبنى القوة الدفاعية والمحاور الإقليمية. بهذا، تصدعت صورة القطب الواحد، ويتجه العالم نحو توازنات جديدة، حيث تثبت طهران أن الإرادة السياسية قادرة على إعادة تشكيل العلاقات الدولية....

منذ نهاية الحرب الباردة بدا العالم وكأنه قد استسلم لقدرٍ واحد: قدر الهيمنة الأميركية المطلقة، حيث سادت فكرة القطب الواحد الذي يقرر مصائر الأمم ويرسم حدود القوة والضعف في العالم. غير أن هذا المشهد لم يبقَ ثابتاً كما تصوّر منظّرو السياسة الدولية، فقد ظهرت في قلب الشرق ثورة حملت معها رؤية مختلفة للعالم، ثورة لم تكتفِ بتغيير نظام سياسي داخل حدود دولة، بل سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين المستضعفين والقوى المهيمنة. تلك كانت الثورة الإسلامية في إيران التي اندلعت عام 1979، والتي لم تكن مجرد حدث إيراني داخلي، بل تحوّلت مع الزمن إلى ظاهرة سياسية وفكرية أثّرت في مجمل الإقليم.

لقد ألهبت هذه الثورة وجدان شعوب المنطقة، لأنها رفعت منذ لحظتها الأولى شعار الكرامة والسيادة والاستقلال. لم يكن خطابها موجهاً إلى الإيرانيين وحدهم، بل إلى كل من رأى في الهيمنة الدولية ظلماً يثقل كاهل الشعوب. ولهذا لم يكن غريباً أن تجد هذه الثورة صدى واسعاً في قلوب أحرار المنطقة الذين رأوا فيها تجربة مختلفة تقول إن الدولة يمكن أن تقف في وجه القوى الكبرى، وأن الإرادة الشعبية إذا اقترنت بالعقيدة والتنظيم قد تصنع توازناً لم يكن متوقعاً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد أكثر من خمسة وأربعين عاماً على قيام هذه الثورة: هل استطاعت إيران فعلاً أن تتحدى النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؟ وهل نجحت في تقليص صورة القوة الأميركية والإسرائيلية التي طالما قُدِّمت بوصفها قوة لا تُقهر؟

الواقع أن التجربة الإيرانية تقدّم نموذجاً مثيراً للاهتمام في هذا السياق. فمنذ السنوات الأولى للثورة واجهت إيران حصاراً سياسياً واقتصادياً قاسياً، وحروباً مباشرة وغير مباشرة، ومحاولات متكررة لعزلها أو إضعافها. ومع ذلك، اختارت القيادة الإيرانية مساراً يقوم على مبدأ واضح: الاعتماد على الذات وبناء القوة تدريجياً. كان ذلك ترجمة عملية للآية القرآنية الكريمة: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.

خلال عقود متواصلة، انكبّ الإيراني على العمل في مختلف المجالات: في الصناعة العسكرية، وفي التكنولوجيا، وفي بناء مؤسسات الدولة. لم يكن الأمر معجزة مفاجئة، بل مساراً طويلاً من التراكم. تطورت برامج الصواريخ، وتوسعت القدرات الدفاعية، وتشكّلت منظومة إقليمية من الحلفاء الذين يرون في طهران سنداً سياسياً واستراتيجياً.

وبهذا المعنى، لم تعد إيران مجرد دولة إقليمية تقليدية، بل تحولت إلى لاعب مؤثر في معادلات المنطقة. فكل أزمة كبرى في الشرق الأوسط باتت تمر بطريقة أو بأخرى عبر حسابات طهران. وهذا ما جعل البعض يرى أن صورة الهيمنة الأحادية بدأت تتعرض للتصدع، وأن العالم يتجه تدريجياً نحو توازنات أكثر تعقيداً.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الطريق خالياً من التضحيات. فكل مشروع يسعى إلى الاستقلال والسيادة يمر حتماً بمحطات من الخسارة والدماء. غير أن منطق التاريخ يقول إن الشعوب التي تختار طريق العزة غالباً ما تكون مستعدة لدفع كلفته. فالحياة الكريمة، في نظر الكثيرين، لا تُقاس بالرفاه وحده، بل بقدرة الأمة على أن تكون سيدة قرارها لا تابعاً لإرادة الآخرين.

وفي هذا السياق، برزت أيضاً شبكة من الحلفاء الإقليميين الذين وجدوا في إيران شريكاً سياسياً أو استراتيجياً، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن. هؤلاء يشكلون جزءاً من مشهد إقليمي جديد يرى فيه البعض بداية تحولات أعمق في ميزان القوى.

ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي هذا كله لإنهاء مرحلة القطب الواحد؟ أم أن النظام الدولي أعقد بكثير من أن يتغير بفعل قوة دولة واحدة أو محور واحد؟

ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أن التجربة الإيرانية، سواء اتفق معها المرء أو اختلف، قد نجحت في كسر فكرة الاستسلام المطلق لهيمنة قوة واحدة. لقد أثبتت أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالتخطيط الطويل والصبر التاريخي، قادرة على إعادة رسم حدود الممكن.

ولعل التاريخ في السنوات القادمة هو الذي سيجيب بصورة أوضح: هل كانت إيران مجرد لاعب صاعد في توازنات إقليمية، أم أنها بالفعل إحدى القوى التي تسهم في إنهاء عصر القطب الواحد وبداية عالم متعدد الأقطاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *