في خضم العواصف التي تضرب المنطقة، ومع اشتداد المواجهة العسكرية بين قوى المقاومة في لبنان والعدو الإسرائيلي، يطفو على السطح حديثٌ عن رغبة لبنانية في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع هذا العدو. وهنا يبرز السؤال الأول والأكثر جوهرية: التفاوض مع من؟ وعلى ماذا؟
فالعدو الذي يُطرح اسمه على طاولة التفاوض ليس دولة طبيعية في علاقاتها مع جيرانها، بل كيانٌ قام على الاغتصاب والتهجير والقتل، وارتبط وجوده بسلسلة طويلة من الحروب والاعتداءات والخرق المتواصل لكل الاتفاقات الدولية والإنسانية. منذ عقود، لم يُعرف عن هذا الكيان احترامه لذمةٍ أو عهد، بل عرف عنه أنه حيثما حلّ حمل معه الخراب والدمار والاغتيال، من فلسطين إلى لبنان، ومن غزة إلى الضفة، وصولاً إلى كل ساحة ظنّ أنه قادر فيها على فرض إرادته بالقوة.
من هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يمكن أن يقدمه هذا العدو للبنان؟ وهل لديه أصلاً ما يقدمه سوى المزيد من الضغوط والابتزاز السياسي والأمني؟ فالتجارب السابقة، من اتفاقيات الهدنة إلى التفاهمات الحدودية، تُظهر بوضوح أن إسرائيل لا تقدم شيئاً مجاناً، بل تحاول دائماً تحويل أي مفاوضات إلى وسيلة لانتزاع مكاسب استراتيجية وأمنية على حساب خصومها.
لكن في المقابل، يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا لدى الحكومة اللبنانية لتقدمه في مثل هذه المفاوضات؟ فالحقيقة التي يعرفها الجميع أن الطرف الموجود فعلياً في ساحة المواجهة العسكرية ليس الحكومة، بل المقاومة ممثلة بـ حزب الله التي تخوض المعركة دفاعاً عن لبنان، وتواجه العدو في الميدان. وبالتالي فإن أوراق القوة، وأوراق التفاوض الحقيقية، لا توجد في مكاتب الدبلوماسية بقدر ما توجد في ساحات القتال حيث تُرسم موازين القوى.
ومن هنا أيضاً نفهم الموقف الذي عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي رفض تسمية ممثل شيعي عن الثنائي للمشاركة في مفاوضات مباشرة مع العدو. فالرجل الذي أمضى عقوداً في العمل السياسي يدرك أن مثل هذه الخطوة ليست مجرد تفصيل دبلوماسي، بل مسألة تاريخية وسياسية وأخلاقية، ولن يقبل أن يُسجَّل في آخر مسيرته أنه وافق على مفاوضات مباشرة مع عدوٍ ما زال يحتل الأرض ويقتل الناس.
وإذا كان هذا هو موقف أحد أبرز أركان النظام السياسي اللبناني، فإن العجب يزداد حين نتخيل وفداً لبنانياً يذهب إلى طاولة المفاوضات وهو لا يحمل في جعبته سوى ورقة واحدة: الاصطدام مع المقاومة ومحاولة نزع سلاحها إرضاءً للكيان الإسرائيلي. فهل يعقل أن يتحول التفاوض من وسيلة لحماية لبنان إلى أداة للضغط على القوة الوحيدة التي أثبتت قدرتها على ردع العدو؟
إن أي مفاوضات لا تنطلق من ميزان القوى الحقيقي على الأرض، ولا تستند إلى وحدة الموقف الداخلي، ستتحول حكماً إلى مجرد مسرح سياسي لا أكثر. بل قد تكون في أسوأ الأحوال محاولة لفرض شروط جديدة على لبنان تحت عنوان “التسوية” أو “الاستقرار”.
ويبقى هنا سؤال وجودي وعقائدي لا يمكن تجاهله: هل تقبل الطائفة السنية في لبنان، بكل علمائها ومثقفيها ونخبها، بهذا المسار؟ وهل يرضى أولئك الذين قدموا الشهداء في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، دفاعاً عن لبنان وفلسطين، بأن تتحول القضية من مشروع مقاومة إلى ملف تفاوض مباشر مع العدو؟
إن تاريخ لبنان القريب يخبرنا أن دماء الشهداء لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت جزءاً من معركة كرامة وهوية. ولذلك فإن أي خطوة سياسية تتجاوز هذا التاريخ ستصطدم حتماً بوعي الناس وذاكرتهم الوطنية.
قد يذهب الوفد اللبناني إلى باريس أو قبرص أو أي عاصمة أخرى تحت عنوان التفاوض، ولا أحد يستطيع منعه من السفر. لكن الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن الذهاب إلى طاولة لا تملك فيها أوراق القوة، ولا تعرف ما الذي ستأخذه أو تعطيه، لن يكون سوى رحلة سياسية قصيرة في عالم الأوهام.
أما العودة، فغالباً لن تكون إلا كما يقول المثل العربي القديم: عودةً بخُفّي حنين.


