في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلق الاستكباري دونالد ترامب ما وصفه بـ”العمليات القتالية الكبرى” ضد إيران، في ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية إيرانية، وكان من أبرز نتائجها استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. كان المخططون في واشنطن يرسمون سيناريوهات النصر السريع، غير أن الواقع جاء مغايراً تماماً لما توقعوه، إذ بالغ البنتاغون ومجلس الأمن القومي في التقليل من شأن استعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز رداً على الضربات الأمريكية، وفشل فريق الأمن القومي لترامب في الأخذ بعين الاعتبار العواقب المحتملة لما وصفه بعض المسؤولين بـ”السيناريو الأسوأ”. وقد جاء هذا التقدير الخاطئ نتيجة اعتقاد راسخ لدى المسؤولين بأن إغلاق إيران للمضيق سيضرّها أكثر مما يضرّ واشنطن، وهو رأي تعزّز بعد أن بقيت تهديدات إيران للمضيق مجرد كلام إبان الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية صيف 2025.
غير أن الجغرافيا كانت لها كلمة أخرى. يمثّل مضيق هرمز أهمّ نقطة اختناق نفطية في العالم، إذ يعبر منه نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ما يعادل ما يقارب 500 مليار دولار من التجارة الطاقوية سنوياً. والأخطر من ذلك أنه بموجب القانون الدولي، تمتد سيادة الدول حتى 12 ميلاً بحرياً من سواحلها، وعند أضيق نقاطه تقع ممرات الملاحة في مضيق هرمز ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، مما يمنح طهران نفوذاً جغرافياً حقيقياً لا يمكن إلغاؤه بالضربات الجوية وحدها. وهكذا، منذ الرابع من مارس 2026، أعلنت القوات الإيرانية إغلاق المضيق رسمياً، مهدّدةً بمهاجمة السفن التي تحاول العبور ومنفّذةً تلك التهديدات فعلاً، فـانخفض حجم السفن العابرة للمضيق بنحو 70% في البداية، مع إرساء أكثر من 150 سفينة خارجه، قبل أن تتراجع حركة الملاحة إلى ما يقارب الصفر، وهو ما أثّر على نحو 20% من إمدادات النفط اليومية العالمية.
وفي لحظة نادرة من الصراحة، كشفت مصادر مطلعة أن المشرّعين ضغطوا على كبار المسؤولين في إدارة ترامب خلال جلسة استماع سرية بشأن غياب خطة عملياتية لإعادة فتح المضيق، وأفادت المصادر بأنه لا توجد حلول قريبة للمشكلة في ظل حجم التهديد الذي لا يزال تشكّله الأصول الإيرانية في المضيق وحوله. بل إن البنتاغون نفسه يرى أن مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق خطرةٌ للغاية في الوقت الراهن، فيما واصل الرئيس ترامب التهوين من شأن الاضطرابات في أسواق الطاقة، مطالباً طواقم الناقلات بـ”إظهار الشجاعة” والعبور. وقد انعكس ذلك كله على أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد متجاوزةً حاجز 100 دولار للبرميل لتبلغ 114 دولاراً في أعلى مستوياتها، وهو الأعلى منذ جائحة كوفيد-19، مع تحذيرات من ركود اقتصادي عالمي إذا استمر هذا الوضع.
في المحصلة، تكشف هذه الأزمة أن القوة العسكرية التقليدية لا تكفي وحدها لتأمين ممرٍ بحري ضيّق يُحيط به الخصم من ثلاث جهات. كانت ثمة قناعة سائدة قبل اندلاع الصراع بأن الجيش الأمريكي يمتلك القدرة على التصدي للقوات الإيرانية واستعادة حركة الملاحة، غير أن ذلك سيستغرق وقتاً — أياماً أو أسابيع أو ربما أشهراً. والحقيقة المُرّة التي يواجهها صانع القرار في واشنطن اليوم هي أن المعركة الحقيقية لم تكن في السماء فوق طهران، بل في تلك الممرات الضيّقة حيث تتحوّل الخرائط الجغرافية إلى أسلحة استراتيجية، وحيث يثبت أن الردع لا يُبنى على الغطرسة وسوء التقدير.


