حرب الصواريخ: الصمود حتى آخر صاروخ ومسيّرة كيف تدير إيران معركة البقاء تحت النار الأمريكية – الإسرائيلية

حرب الصواريخ الصمود حتى آخر صاروخ ومسيّرة كيف تدير إيران معركة البقاء تحت النار الأمريكية – الإسرائيلية
تحلل الدراسة اليوم الثالث عشر من الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مبيّنةً استمرار تماسك البنية العسكرية الإيرانية رغم الضربات الواسعة، مقابل تفوق الدفاعات الجوية، مع احتمال توسع الصراع إقليمياً أو تحوله إلى حرب استنزاف طويلة....

قراءة عسكرية في اليوم الثالث عشر من الحرب

بعد مرور ثلاثة عشر يوماً على اندلاع الحرب ورغم تتفيذ أعنف حملة قصف جوي تتعرض لها إيران منذ الحرب العراقية-الإيرانية لم تُظهر طهران أي مؤشرات على الانكسار أو الاستسلام. على العكس، تبدو القيادة الإيرانية مصممة على خوض المعركة حتى النهاية وإطلاق آخر صاروخ وآخر طائرة مسيّرة في ترسانتها في مواجهة باتت تُدار بوصفها معركة الحفاظ على النظام السياسي نفسه.

حيث تشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران أطلقت حتى الآن 900 – 1100 صاروخ باليستي وكروز إضافة إلى 2000 – 2500 طائرة مسيّرة أي ما يزيد عن 3500 ضربة جوية استهدفت إسرائيل والقواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط.

ومع تصاعد وتيرة القتال لم تعد الحرب محصورة في ساحة واحدة بل امتدت إلى الخليج العربي ومضيق هرمز حيث حاولت إيران نقل المعركة إلى شرايين الاقتصاد و الطاقة العالمية عبر استهداف قواعد عسكرية ومنشآت اقتصادية  و نفطية في دول الخليج وتهديد السفن التجارية وناقلات التجارة و النفط.

ورغم حجم هذه الهجمات تمكنت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية والخليجية من اعتراض 85% – 95% من المقذوفات ما حرم إيران من تحقيق أي تأثير حاسم على الأرض.

ومع ذلك ورغم الضربات القاسية التي طالت الحرس الثوري الإيراني وفقدانه عدداً من قادة الصف الأول والثاني بل وحتى الثالث لم يظهر الجهاز العسكري أي علامات انهيار مؤسسي. بل على العكس أثبتت القيادة تماسكها وكفاءتها العالية في إدارة وقيادة المعركة واستمرار الحرس الثوري في العمل وفق سلسلة قيادة بديلة وخطط عملياتية مسبقة صُممت للعمل في ظروف الحرب الشاملة أو فقدان القيادة المركزية.

ما نشهده اليوم هو حصيلة 47 عاماً من بناء منظومة ردع غير تقليدية ركزت على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقوة البحرية غير المتكافئة. هذه المنظومة لم تُبنَ فقط لردع الخصوم بل لتكون السلاح الأخير الذي يدافع به النظام عن بقائه حين تصل الحرب إلى عتبة الوجود

*الضربات الأمريكية والإسرائيلية

ان الهدف  الاستراتيجية للضربات هو تفكيك القوة العسكرية الإيرانية

حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أكبر الحملات الجوية المركبة في تاريخ الحروب الحديثة ضد إيران.

التقديرات العسكرية تشير إلى أن أكثر من 5000 هدف عسكري تم تدميره أو تعطيله حتى الآن بنسبة تتراوح بين 75% و90% من البنية العسكرية المستهدفة.

وشملت الضربات:

  • قواعد القوة الجوية الإيرانية
  • القواعد البحرية للحرس الثوري
  • منظومات الدفاع الجوي بعيدة ومتوسطة المدى
  • منصات إطلاق الصواريخ الباليستية
  • مخازن الطائرات المسيّرة
  • مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات
  • مصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة
  • مصانع الأسلحة
  • مستودعات الأسلحة والذخائر
  • معسكرات الباسيج
  • مراكز الشرطة

كما بدأت المرحلة الجديدة من العمليات بالانتقال إلى ضرب البنية التحتية الاستراتيجية للنظام بما يشمل المنشآت الصناعية والاقتصادية والتجارية وتدمير اكثر من ٣٠ منشأة نفطية في محاولة لتقويض قدرة إيران على مواصلة الحرب على المدى الطويل.

*الخليج ومضيق هرمز

نقل الحرب إلى شريان الطاقة العالمي

مع اتساع المواجهة، تحول الخليج العربي ومضيق هرمز إلى مسرح عمليات رئيسي في هذه الحرب.

نفذت إيران سلسلة عمليات تهدف إلى نقل الضغط العسكري إلى الاقتصاد العالمي، وشملت:

إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه قواعد عسكرية في دول الخليج

استهداف السفن التجارية وناقلات النفط

استخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة البحرية

نشر ألغام بحرية في بعض الممرات الحساسة

وبحسب إحصائيات دولية، بلغ عدد المسيّرات التي أطلقتها إيران خلال الأيام الاثني عشر الأولى فقط:

الإمارات: 1728

الكويت: 942

البحرين: 358

السعودية: 176

قطر: 142

عُمان: 20

المجموع: 3366 طائرة مسيّرة

يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي تهديد للملاحة فيه قادراً على إشعال أزمة طاقة عالمية خلال ساعات.

ولهذا دفعت الولايات المتحدة بقوات بحرية إضافية إلى المنطقة، في محاولة لمنع إيران من تحويل المضيق إلى سلاح اقتصادي استراتيجي.

*تشتّت الضربات الإيرانية

لم تكن الضربات الإيرانية الموجهة نحو إسرائيل خلال هذه الحرب بالمستوى ذاته الذي ظهرت عليه خلال حرب الأيام الاثني عشر. فإسرائيل لم تتلقَّ سوى نحو 550 صاروخاً وطائرة مسيّرة تم اعتراض وتدمير الغالبية العظمى منها في الجو. ويعكس ذلك تراجعاً واضحاً في كثافة الهجمات مقارنة بالمراحل السابقة نتيجة تغيير إيران لسياسة الإغراق الجوي التي اعتمدتها سابقاً واتجاهها إلى تشتيت الضربات وتوزيعها على مسارح عمليات متعددة شملت دول الخليج العربي الأمر الذي أدى إلى تقليل الضغط العملياتي المباشر على الجبهة الإسرائيلية.

حيث أن الصواريخ الثقيلة والصاواريخ ذات الرؤوس المتعددة لم تحقق الضغط المتوقع إذ تم تدمير أغلب الصواريخ الثقيلة قبل الوصول للأهداف بينما كان تأثير الرؤوس المتعددة ضعيفاً عسكرياً لكنه قوي نفسياً إذ أن حجم الانفجارات لم يُحدث دماراً ميدانياً كبيراً كما في حرب 12 يوم.

*الأذرع الإقليمية

تراجع واضح في مستوى الانخراط

على الرغم من توقعات التصعيد الإقليمي الواسع فإن سلوك الأذرع الحليفة لإيران اتسم بالحذر الشديد.

*العراق

  • حياد واضح من معظم الفصائل المسلحة
  • تدخل محدود من مجموعات صغيرة تعرضت لضربات أمريكية مباشرة .
  • إصرار الحكومة العراقية على الحياد و منع تحويل البلاد إلى ساحة للحرب.
  • استمرار الضغط الامريكي لحصر السلاح بيد الدولة.

*لبنان

  • إخلاء الضاحية الجنوبية بعد ضربات جوية إسرائيلية شاملة و مدمرة.
  • دعم محدود من حزب الله دون فتح جبهة شاملة
  • رفض حكومي لبناني للدخول في الحرب
  • تصاعد الضغوط الداخلية لنزع سلاح الحزب

*اليمن

  • التزام الحوثيين بوقف إطلاق النار وعدم الانخراط المباشر في المعركة حتى الآن

*الموقف الروسي والصيني

كالعادة لم تصدر روسيا أو الصين عن موقف فعلي يدعم إيران واقتصر الأمر على إدانة إغلاق مضيق هرمز والضربات الصاروخية على دول الخليج دون أي خطوات عملية للتدخل أو حماية المصالح الإيرانية.

*السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: توسيع العمليات العسكرية

قد تتجه الحرب نحو مرحلة جديدة تتضمن:

  • السيطرة على جزيرة خرج التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني من خلال نزول قوات أمريكية على الجزيرة.
  • إعادة الجزر المتنازع عليها في الخليج إلى الإمارات ونشر قوات خليجية فيها.
  • دخول الإمارات الحرب بشكل مباشر بعد تعرضها لأكبر حجم من الضربات.
  • احتمال انضمام دول خليجية أخرى الى الصراع بشكل مباشر وهذا يعني دخول اكثر من 500 طائرة حديثة للمعركة.

السيناريو الثاني: التصعيد الاستراتيجي

في حال تعثر الحسم العسكري قد تلجأ أمريكا إلى تصعيد نوعي يشمل:

  • ضربة كهرومغناطيسية لتعطيل البنية التكنولوجية الإيرانية
  • تدمير شامل للبنى التحتية الاقتصادية .
  • استخدام سلاح نووي تكتيكي محدود وهو سيناريو كارثي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحروب النووية المحدودة

السيناريو الثالث: حرب الاستنزاف

يقوم هذا السيناريو على:

  • وقف الحرب و انسحاب القوات الأمريكية من الخليج.
  • استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوجيه ضربات جوية متقطعة ولفترة طويلة و بشكل منفرد.
  • نقل المقاتلين الاجانب من سوريا الى ايران بالإضافة الى سجناء داعش.
  • إنهاك الاقتصاد الإيراني والجبهة الداخلية
  • دفع البلاد نحو اضطرابات داخلية قد تنتهي بانهيار النظام من الداخل
  • وفي حال انهيار السلطة المركزية قد تظهر مشاريع لإعادة تشكيل إيران عبر أقاليم قومية مثل:

الأهواز

كردستان

أذربيجان

تركمانستان الجنوبية

بلوشستان

*السيناريو الإيراني الأخطر

إذا قررت طهران الانتقال إلى مرحلة التصعيد الشامل فقد تلجأ إلى خيارات أكثر خطورة منها:

  • تحريك قوات برية باتجاه الكويت والبصرة
  • مهاجمة إقليم كردستان العراق
  • فتح جبهة عسكرية باتجاه سوريا
  • تنفيذ هجمات بحرية انتحارية ضد السفن في مضيق هرمز
  • محاولة إغلاق المضيق بالألغام والزوارق الهجومية

*القراءة العسكرية النهائية

تكشف هذه الحرب عدة حقائق استراتيجية:

  • إيران اعتمدت تكتيك الإغراق الكمي لإشباع الدفاعات الجوية.
  • المسيّرات منخفضة الكلفة أصبحت سلاحاً مركزياً في الحروب الحديثة.
  • توسع المعركة إلى الخليج يهدد أمن الطاقة العالمي.
  • الضربات الجوية المركزة أدت إلى انخفاض معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية بنسبة تقارب 92%.

ومع ذلك ما زالت إيران قادرة على مواصلة القتال عبر شبكات إطلاق متنقلة وقيادة لامركزية.

*الخاتمة

ما يجري اليوم ليس مجرد حرب تقليدية بل اختبار تاريخي لقدرة النظام الإيراني على الصمود تحت أقسى الضغوط العسكرية والاقتصادية.

على مدى 47 عاماً بنت إيران منظومة ردع غير تقليدية تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة واليوم تتحول هذه المنظومة إلى آخر خط دفاع عن بقاء النظام السياسي.

ورغم الانخفاض الكبير في مستوى الضربات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

من يملك القوة الأكبر؟ بل أصبح: من يستطيع الصمود لفترة أطول في حرب الاستنزاف الشاملة حيث يُقاس البقاء بالتحمل والقدرة على إدارة المعركة تحت النار المباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *