وتستمرّ الثورة

وتستمرّ الثورة
ثورة الإمام الخمیني لم تكن انقلاباً على حاکم، بل نهضة في روح الإنسان لاستعادة کرامته. امتدادها من عاشوراء إلی فلسطین، یجسدها یوم القدس العالمي. بالدماء تستمر المسیرة: من الخمیني إلی الخامنئي الشهید، فإلی المجتبی المنصور، حامل راية النهضة والقیم الإلهیة...

لم تكن الثورة التي أشعلها الإمام روح الله الخميني عام 1979 حدثاً سياسياً عابراً في سجلّ التحولات الدولية، ولا مجرّد انقلاب على نظامٍ حاكمٍ استبدّ ببلادٍ وشعب. لقد كانت، في جوهرها العميق، ثورةً في روح الإنسان قبل أن تكون ثورةً في جغرافيا الدولة. كانت نهضةً روحيةً كبرى انبعثت من قلب شعبٍ أنهكته الهيمنة، فاستيقظت في وجدانه فكرةٌ كبرى: أن الإنسان خُلق ليعيش عزيزاً كريماً، لا عبداً للطغاة ولا تابعاً لسلطان الظلم.

لقد جاءت تلك الثورة لتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربّه، وبين الإنسان وكرامته، وبين الشعوب وحقها في أن تعيش في ظل العدل. كانت فكرتها الجوهرية أن المستضعفين ليسوا قدراً مهملاً في التاريخ، بل هم روح التاريخ نفسه. ومن هنا تحوّل النداء الذي أطلقه الخميني إلى شرارةٍ امتدّ وهجها في روح الشعب الإيراني أولاً، ثم عبرت حدود الجغرافيا لتسكن وجدان أبناء الإقليم .

كانت الثورة تقول ببساطةٍ عميقة: إن الإنسان هو محور الرسالات الإلهية، وإن الدفاع عن كرامته واجبٌ مقدّس. فالعيش في بيئةٍ عزيزةٍ كريمة، وردع الظالم، ونصرة المظلوم، والوقوف إلى جانب الحق مهما بلغت التضحيات — دماءً كانت أم دماراً — كل ذلك ليس مجرّد خيار سياسي، بل هو تجلٍّ لقيم الله على الأرض.

وحين قال الله تعالى: “إن تنصروا الله ينصركم”، لم يكن المعنى محصوراً في المعادلات العسكرية، وإن كانت القوة ركناً أساسياً في معركة الحق. بل كان المعنى أعمق من ذلك بكثير: أن نصرة الله تعني نصرة الإنسان، ونصرة العدالة، وإحياء القيم التي تحفظ للإنسان كرامته.

ومن هنا جاءت الثورة التي أطلقها ذلك المجدّد الإلهي وكأنها مشروعٌ لرفع الغبن التاريخي عن الإنسان. ولذلك لم يكن غريباً أن تتصدّر قضية فلسطين أولويات الإمام الخميني، لأن فلسطين كانت، وما تزال، التجسيد الأوضح لمأساة الحق المغتصب، والأرض السليبة، والإنسان المضطهد.

فلسطين لم تكن عنده قضية سياسية فحسب، بل كانت امتحاناً أخلاقياً للأمة. ومن هنا أعلن يوم القدس العالمي، كي يبقى صوت فلسطين حيّاً في ضمير العالم، ولو صمتت الحكومات وتجاهلت الشعوب. لقد أراد لهذا اليوم أن يكون ضميراً دائماً يذكّر الأمة بأن القدس ليست قضية زمنٍ عابر، بل قضية حقٍّ لا يسقط.

ومع مرور السنوات، حين وقف كثيرون في صفّ الصمت أو التردّد، بقيت إيران ومحور المقاومة تقريباً وحدهما في مواجهة المشروع الذي يسعى إلى تثبيت الظلم. كان ذلك الوقوف امتداداً مباشراً لروح عاشوراء، تلك اللحظة الخالدة في التاريخ الإسلامي حين وقف الحسين بن علي في كربلاء وحيداً تقريباً، لكنه وقف حاملاً الحقيقة كلّها. ولذلك قال الإمام الخميني عبارته الشهيرة: “كل ما لدينا هو من عاشوراء”.

وهكذا، تحوّلت الثورة إلى مسيرةٍ طويلة من نصرة المستضعفين، وإلى مشروعٍ يعيد للإنسان كرامته وعزته. وقد تابع هذه المسيرة الإمام القائد علي خامنئي، الذي حمل الراية في مرحلةٍ شديدة التعقيد من تاريخ المنطقة، فحافظ على إيران الثورة، ورسّخ حضورها، ودعم محور المقاومة حتى باتت هذه الفكرة قوةً حقيقية في موازين المنطقة.

لقد كان ذلك الدور أشبه برحلة صبرٍ طويلة، حتى بلغ الرجل أمنيته الكبرى: الشهادة التي طالما حلم بها، وكأن الله ادّخرها له وهو شيخٌ كبير، ليختم حياته على النحو الذي يليق بمن قضى عمره في خدمة هذا المشروع.

وعند تلك اللحظة التاريخية، لم تنطفئ الشعلة، بل انتقلت الراية إلى مجدّدٍ آخر، رجلٍ من طينة الصحابة الأوائل، من أولئك الذين صنعوا فجر الإسلام في بدر وأحد وخيبر. رجلٌ من نسل الأئمة لا بالدم وحده، بل بالفكر والعقيدة، يحمل في ملامحه صفات جده محمد بن عبد الله، وشجاعة علي بن أبي طالب، وبأس حمزة بن عبد المطلب، وشموخ الحسين في كربلاء، وحكمة الحسن بن علي.

ذلك هو المجتبى المنصور بإذن الله، الحامل لثقافة وفكر روح الله، ولحكمة الإمام الخامنئي، والمرشّح لأن يعيد إيقاد نار الثورة ونورها في إيران والمنطقة معاً.

وهكذا، وبين الدماء التي سالت، والآمال التي وُلدت، والتضحيات التي لم تتوقف، تبقى الحقيقة الكبرى أن الثورة لم تكن لحظةً في التاريخ، بل مسيرةٌ في الزمن.

إنها فكرةٌ إذا اشتعلت في روح الإنسان لا تنطفئ.

ولهذا… تستمرّ الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *