الكلمة للميدان

الكلمة للميدان
في لحظات المصیر، الحقیقة لا تُصاغ في صالونات السیاسة، بل تُكتب في المیدان بدماء الرجال. مقاومة لبنان وإیران تثبت أن العقیدة الصلبة تهزم أعتى الأساطیل. أما دعاة الاستسلام، فهم أسرى ذاکرة الهزیمة. المیدان یتکلم، والخسائر الصهیونیة تتزاید. الكلمة النهائیة للمیدان....

في لحظات التحوّل الكبرى من تاريخ الأمم، لا تُكتب الحقائق في صالونات السياسة ولا تُصاغ في دهاليز المفاوضات، بل تُكتب هناك حيث يقف الرجال في وجه النار، وحيث يصبح التراب ميداناً للشهادة أو للنصر. عند تلك اللحظة تحديداً، لا يعود للكلمات وزن إن لم تُولد من رحم الميدان. ولذلك، فإن الكلمة اليوم ليست للخطابات ولا للتكهنات، بل للميدان.

في لبنان وإيران، يقف رجالٌ صنعوا لأنفسهم اسماً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة؛ رجالٌ تربّوا على فكرة أن الكرامة لا تُستجدى بل تُنتزع، وأن الحرية لا تُمنح بل تُحمى بالدم. إنهم أبناء مدرسةٍ فكرية وروحية بدأت مع روح الله الخميني، وتعمّقت مع الإمام السيد علي الخامنئي، وتجسدت في تجربة السيد حسن نصرالله الذي حوّل المقاومة من فكرةٍ إلى معادلة، ومن معادلةٍ إلى واقع يفرض نفسه على المنطقة كلها.

اليوم، وفي ظل القصف الهمجي المجنون الذي تشنه الولايات المتحدة والكيان الغاصب، يثبت هؤلاء الرجال أن ما يملكونه ليس مجرد سلاح، بل عقيدة صلبة وعزيمة لا تلين. فالذي يقاتل وهو يؤمن أن قضيته حق، لا تُرعبه الطائرات ولا الأساطيل. والذي تربّى على ثقافة الشهادة، لا يمكن أن يُهزم بالخوف.

ورغم ذلك، يخرج علينا بين الحين والآخر من يتحدث عن مفاوضات مدنية مع العدو، أو يطرح خياراتٍ مكررة عن الاستسلام أو نزع سلاح المقاومة. كلماتٌ أصبحت ممجوجة من كثرة ما تكررت، وكأن أصحابها يعيشون في زمنٍ آخر. أي ساسة هؤلاء الذين لا يزالون أسرى ذاكرة الهزائم القديمة؟ وكأن التاريخ لديهم توقف عند نكبة عام 1948، أو عند هزيمة عام 1967، أو عند اجتياح بيروت عام 1982.

لقد تغيّر العالم منذ ذلك الحين، وتغيّرت معه موازين القوة. أما هم، فقد أقفلوا أبواب عقولهم على تلك السنوات السوداء، وأصرّوا أن يعيشوا فيها وكأنها الحاضر والمستقبل.

لكن الميدان يقول شيئاً مختلفاً تماماً.

ففي الوقت الذي تتردد فيه هذه الأصوات، يعاني الكيان من كمٍّ هائل من الخسائر والدمار. تشير التقديرات حتى لحظة كتابة هذه الكلمات إلى ما يقارب ثلاثة آلاف وخمسمئة مصاب بين قتيل وجريح ومعاق. أرقامٌ لا يمكن لآلة الحرب الإسرائيلية أن تخفيها طويلاً، لأنها تُكتب على الأرض قبل أن تُكتب في التقارير.

وفي الوقت نفسه، تقف إيران الإسلامية في قلب المواجهة، توزّع قدرتها العسكرية على أكثر من جبهة. مرة تُستهدف القواعد الأميركية في الخليج، ومرة تتعرض سفن الأسطول الأميركي للقصف، بينما تبقى الحصة الأكبر دائماً لذلك الكيان الذي أثبتت التجارب المتكررة أنه – كما قال المقاومون – أوهن من بيت العنكبوت.

أما في لبنان، فتستمر معركة الإرادة التي يخوضها أبناء الرضوان، حيث يتحول كل اشتباك إلى رسالة، وكل صاروخ إلى معادلة جديدة. إنهم لا يقاتلون فقط دفاعاً عن أرضهم، بل عن كرامة أمةٍ لطالما ذاقت مرارة الاحتلال والعدوان.

إن إيران ليست دولة ضعيفة كما يحاول البعض تصويرها، بل أثبتت قدرتها على المواجهة في أكثر من ساحة أنها مركز ثقل حقيقي في معادلات المنطقة، وأنها عاصمة المجاهدين الذين يرون في المواجهة دفاعاً عن الحق والكرامة.

وأما حزب الله، بما راكمه من تجربة خلال أربعة عقود من الصراع، فقد تجاوز كونه مجرد حزب سياسي أو تنظيم عسكري. لقد أصبح ظاهرة تاريخية، بل أسطورة مقاومة صنعتها الدماء والتضحيات والصبر الطويل.

ولهذا، فإن نصيحة التاريخ قبل نصيحة السياسة هي أن يتوقف البعض عن نثر المبادرات يميناً وشمالاً. فالمعركة لم تنتهِ بعد، والكلمة النهائية لم تُقل بعد.

انظروا إلى الميدان.

هناك فقط تُكتب الحقائق.

وهناك فقط تتكلم القوة.

وحين يقول الميدان كلمته، يُبنى على الشيء مقتضاه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *