مجلس الأمن وازدواجية المعايير… من يحاسب المعتدي ومن يتجاهل الضحية

مجلس الأمن وازدواجية المعايير… من يحاسب المعتدي ومن يتجاهل الضحية
ينتقد النص ازدواجية المعايير في قرارات مجلس الأمن، إذ تُدان هجمات معيّنة سريعاً بينما يُتجاهل سياق الاعتداءات السابقة. ويؤكد أن استعادة مصداقية النظام الدولي تتطلب تطبيق القانون الدولي بعدالة على جميع الأطراف دون انتقائية....

أثارت القرارات الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي بإدانة الهجمات الإيرانية على بعض دول الخليج والأردن موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي. فبينما سارع المجلس إلى إصدار قرار يصف تلك الهجمات بأنها تهديد للسلم والأمن الدوليين، يبرز سؤال جوهري يطرحه كثير من المراقبين: أين كان هذا المجلس عندما تعرضت إيران نفسها لاعتداءات عسكرية استهدفت أراضيها ومنشآتها المدنية؟

إن المتابع لمسار الأحداث خلال الفترة الماضية يدرك أن المنطقة لم تشهد تصعيداً من طرف واحد، بل جاءت التطورات ضمن سلسلة من الهجمات والردود المتبادلة. فقد تعرضت إيران لسلسلة من الانتهاكات جرائم الحرب وتقارير إعلامية متعددة، برعاية أمريكية وصهيونية، هذه الهجمات لم تقتصر على أهداف عسكرية، بل طالت أيضاً مناطق مدنية وبنى تحتية حساسة، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين بينهم أطفال، فضلاً عن أضرار أصابت منشآت خدمية وتعليمية.

ورغم خطورة تلك التطورات وما تحمله من انتهاكات صهيوأمريكية واضحة للقانون الدولي الإنساني، فإن مجلس الأمن لم يُبدِ الموقف الحازم ذاته الذي أبداه اليوم. لم نشهد قراراً سريعاً يدين تلك العمليات، ولم يصدر بيان قوي يطالب بمحاسبة المسؤولين عنها، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الاتهامات المتكررة للمجلس بازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات الدولية.

هذه الازدواجية ليست جديدة في السياسة الدولية، لكنها تبدو أكثر وضوحاً كلما تعلق الأمر بالصراع في الشرق الأوسط. فحين تقع أحداث تمس حلفاء الغرب، تتحرك آليات الإدانة بسرعة لافتة، وتصدر البيانات بلغة حازمة ومباشرة. أما عندما يكون الطرف المتضرر دولة تختلف سياسياً مع القوى الغربية، فإن ردود الفعل الدولية غالباً ما تتسم بالحذر أو الصمت.

ومن وجهة نظر طهران، فإن العمليات التي نفذتها جاءت في إطار حق الرد على اعتداءات طالت سيادتها وأراضيها. فالقانون الدولي – كما تؤكد إيران – يقرّ بحق الدول في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لهجوم مسلح، وهو مبدأ منصوص عليه بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة. وبناءً على ذلك، ترى إيران أن استهداف مواقع أو مصالح مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي والصهيوني في بعض دول الخليج جاء نتيجة مباشرة لكون تلك المواقع، استُخدمت كنقاط دعم أو انطلاق لعمليات عسكرية ضدها.

إن تجاهل هذا السياق الكامل والتركيز على جزء واحد من المشهد لا يساهم في تهدئة الأوضاع، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من حدة التوتر في المنطقة. فالقرارات التي تبدو انتقائية أو منحازة تقوّض ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية، وتضعف قدرتها على لعب دور الوسيط النزيه في النزاعات الدولية.

كما أن حماية السلم الدولي لا يمكن أن تتحقق من خلال إدانة طرف واحد وتجاهل الأطراف الأخرى. فإذا كان استهداف المدنيين والبنى التحتية أمراً مرفوضاً – وهو كذلك بلا شك – فإن هذا المبدأ يجب أن يُطبّق على الجميع دون استثناء، سواء كانوا دولاً كبرى أو قوى إقليمية. فالعدالة الدولية لا تُبنى على موازين القوة، بل على مبدأ المساواة أمام القانون الدولي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الدولي اليوم يتمثل في استعادة مصداقية المؤسسات الأممية، وعلى رأسها مجلس الأمن. فهذه المؤسسة أُنشئت أصلاً لحفظ الأمن والسلم الدوليين، وليس لتكريس الانقسامات أو تعزيز الشعور بالظلم لدى شعوب المنطقة. وإذا استمر التعامل مع الأزمات وفق معايير مزدوجة، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين العالم النامي والمؤسسات الدولية.

في نهاية المطاف، لا يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط عبر قرارات أحادية الجانب أو إدانات انتقائية. الطريق الوحيد نحو تهدئة حقيقية يمر عبر الاعتراف الكامل بجذور الصراع، ومحاسبة أي طرف ينتهك القانون الدولي، بغض النظر عن موقعه أو تحالفاته. فالسلم العادل لا يتحقق إلا عندما يشعر الجميع بأن القانون الدولي يُطبَّق عليهم وعلى خصومهم بالقدر نفسه من العدالة والإنصاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *