البحرين.. حين يصبح التعذيب عقيدة حكم

البحرين.. حين يصبح التعذيب عقيدة حكم
تؤكد الاتهامات الحقوقية في البحرين أن التعذيب والتمييز والقمع لا تصنع استقراراً دائماً، بل تفاقم أزمة الثقة والمشاركة والعدالة، فيما يتطلب بناء دولة مستقرة احترام الكرامة الإنسانية، وتجريم التعذيب، واستقلال القضاء، وإطلاق حوار وطني شامل...

ليست الدولة التي تخاف من الكلمة قوية، ولا السلطة التي تنتزع الاعترافات تحت التعذيب واثقة من شرعيتها. فالأنظمة التي تلجأ إلى الإكراه بدل الحوار، وإلى السجون بدل الإصلاح، إنما تعلن عجزها عن بناء علاقة طبيعية مع شعبها.

إن التقارير الحقوقية التي تتحدث عن تعرض علماء دين شيعة في البحرين للتعذيب والإهانة والإكراه على توقيع اعترافات، إن صحت، لا تمثل حادثة معزولة، بل تثير تساؤلات جدية حول استمرار نهج أمني طالما وجّهت إليه انتقادات من منظمات حقوق الإنسان الدولية. فالتعذيب ليس مجرد انتهاك فردي، بل هو انهيار أخلاقي وسياسي للدولة عندما يتحول إلى وسيلة لإدارة المجتمع.

لقد أثبت التاريخ أن القمع قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع القناعة. وأن الخوف قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يعالج أسبابه. وكل سلطة تراهن على القوة وحدها، إنما تؤسس لدورات متكررة من الاحتقان، لأنها ترفض معالجة جذور الأزمة، وتكتفي بملاحقة نتائجها.

إن الأزمة البحرينية لم تكن في يوم من الأيام أزمة أمنية خالصة، بل هي أزمة ثقة، وأزمة مشاركة سياسية، وأزمة عدالة. وكلما أُغلقت أبواب الحوار، فُتحت أبواب السجون. وكلما ضاقت مساحة الحقوق، اتسعت مساحة الاحتقان. وهذه ليست خصوصية بحرينية، بل قاعدة أثبتها تاريخ الشعوب.

إن السلطة التي تسيء إلى عالم دين بسبب انتمائه المذهبي، أو إلى ناشط بسبب رأيه، أو إلى مواطن بسبب مطالبته بحقوقه، لا تسيء إلى أفراد فحسب، بل تسيء إلى فكرة المواطنة نفسها. فالدولة لا تُقاس بعدد السجون التي تبنيها، وإنما بقدرتها على حماية كرامة الإنسان، بصرف النظر عن مذهبه أو موقفه السياسي.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الحلول الأمنية لم تُنهِ الأزمة البحرينية، ولم تنتج مصالحة وطنية، ولم تؤسس لعلاقة مستقرة بين الدولة وقطاع واسع من المجتمع. بل إن استمرار الاتهامات المتعلقة بالتعذيب والتمييز والقمع يرسخ الانقسام ويبدد الثقة، ويجعل أي حديث عن الاستقرار حديثاً هشاً، لأن الاستقرار الذي يقوم على الخوف لا يدوم.

إن احترام حقوق الإنسان ليس تنازلاً من الدولة، بل هو مصدر قوتها وشرعيتها. والعدالة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تبدأ من احترام القانون، واستقلال القضاء، وتجريم التعذيب، ومحاسبة كل من ينتهك كرامة الإنسان، مهما كان موقعه.

لقد آن الأوان لأن تدرك السلطة في البحرين أن الشعوب لا تُحكم إلى الأبد بالعصا، وأن الكرامة الإنسانية ليست ملفاً أمنياً. فلا التعذيب يصنع ولاءً، ولا الاعترافات المنتزعة بالإكراه تصنع حقيقة، ولا التمييز الطائفي يبني دولة عادلة.

إن البحرين تستحق مستقبلاً مختلفاً؛ مستقبلاً تُصان فيه الحقوق، ويُحترم فيه التنوع، ويُعامل فيه المواطن بوصفه شريكاً في الوطن لا خصماً للدولة. أما استمرار الرهان على القمع، فلن يورث إلا مزيداً من الجراح، ومزيداً من فقدان الثقة، ومزيداً من الابتعاد عن الدولة التي يحلم بها جميع البحرينيين.

فالعدالة ليست شعاراً سياسياً، بل هي الشرط الأول لبقاء الأوطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *