مدرسة أمريكية وسؤال التعليم والثقافة
تناقلت وكالات إخبارية ومنصات إعلامية خبراً عن توقيع اتفاقية جديدة. ويتعلق الخبر بإنشاء مدرسة أمريكية دولية في محافظة كربلاء.
وجاءت الاتفاقية بعد مؤتمر عراقي أمريكي نظمته غرفة تجارة واشنطن. كما انعقد المؤتمر في الولايات المتحدة برعاية رئيس الوزراء العراقي الجديد.
وتقول الأخبار إن المدرسة ستقام على مساحة تبلغ 50 ألف متر مربع. كما ستعتمد المعايير التعليمية الأمريكية في عملها وبرامجها.
وفي الوقت نفسه، تشير الأخبار إلى مراعاة الخصوصية العراقية. وتشمل هذه الخصوصية عدم اختلاط الأولاد والبنات.
كما تشمل تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية داخل المدرسة. وهذا هو الإطار الذي نقلته الأخبار عن المشروع.
المدرسة ليست مشروعاً عقارياً فقط
يتضمن الحديث عن المدرسة حديثاً أوسع عن التربية والتعليم والثقافة. وهذه ثلاثية يملك المجتمع فيها حصة أكبر من الدولة.
فالمدرسة قضية مجتمع قبل أن تكون التزاماً حكومياً أو استثماراً عقارياً. كما أنها أكثر من علاقة دبلوماسية أو مذكرة تعاون.
لذلك، لا يمكن التعامل مع مدرسة أمريكية في كربلاء بوصفها خبراً عادياً. فالمكان والظرف والسياق يمنحون الخبر دلالات أعمق.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي مرتبطاً بمستقبل التربية والهوية. كما يرتبط بقدرة المجتمع على حماية ثقافته واستقلال وعيه.
العراق بين الاضطراب والإخفاق الحكومي
يعيش العراق، منذ أكثر من عشرين عاماً، ظروفاً قلقة ومضطربة. وقد بدأت هذه المرحلة مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
وترتب على هذه الظروف فشل واضح في السياسة والإدارة والتعليم والصحة. كما بات المجتمع مهدداً في بنائه وعلاقاته اليومية.
فقد ارتفعت معدلات الجريمة والعنف الأسري والعنف المجتمعي. كما زادت بين الشباب حالات الإدمان والانتحار.
إضافة إلى ذلك، كثرت المشاكل العائلية أمام إخفاق حكومي مستمر. وقد صار هذا الإخفاق، في نظر الناس، مدعاة للسخرية.
وإذا أخذنا في الاعتبار وجود الاحتلال الأمريكي المتحكم، يصبح السؤال أعمق. فالبلاد لم تعرف استقراراً آمناً في ظل هذا الوجود.
لقد مضى العراق على هذا الحال حتى صعد رجل أعمال إلى الرئاسة. ولم يعرف عنه نشاط سياسي أو اجتماعي أو ثقافي واضح.
ويورد النص أن الرئيس الأمريكي ترامب قال إنه فاز بمساعدة الولايات المتحدة. ثم منحه، في واشنطن، ضوءاً أخضر للبقاء وقتاً أطول.
السياسة الأمريكية وسؤال الثقة
إذا نظرنا إلى مخرجات السياسة الخارجية الأمريكية، سنجد أسئلة كثيرة. ويظهر ذلك خصوصاً في أحداث الشرق الأوسط الأخيرة.
فما يجري في لبنان وفلسطين، والهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران، يضع الصورة في سياق خطير. وقد جاء ذلك بذريعة امتلاك إيران السلاح النووي.
كما يستحضر النص قصف سلاح الجو الأمريكي مدرسة ابتدائية للبنات جنوب إيران. ويقول إن القصف أودى بحياة أكثر من سبعين تلميذة.
وكانت التلميذات، بحسب هذا السرد، في عمر الزهور. ومع ذلك، برر الرئيس الأمريكي الجريمة باتهام الجيش الإيراني بقلة الخبرة.
وقال، وفق النص، إن الجيش الإيراني تسبب في القصف بسبب سوء استخدام السلاح. ولم يقدم أسفاً واضحاً على أرواح تلك الطيور البريئة.
ثم تلا ذلك تهديده الحضارة الإيرانية بالزوال. ولذلك تتسع الفجوة بين خطاب التعليم الأمريكي وسلوك السياسة الأمريكية.
أسئلة حول التعليم في كربلاء
من خلال هذه المعطيات الميدانية والسياسية، يبرز سؤال أساسي. هل حكومة محلية تملك نحو 100 مدرسة من الطين معنية فعلاً بتطوير التعليم؟
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية. هل دولة كبرى مثل أمريكا، بهذه السياسة الخارجية، تريد فعلاً تطوير التعليم في العراق؟
فالحديث عن مدرسة أمريكية لا ينفصل عن واقع المدارس العراقية المتعبة. كما لا ينفصل عن تراجع العمل التعليمي والتربوي.
ومن هنا، لا يكفي أن نقرأ المشروع من زاوية الاستثمار أو البناء. بل يجب أن نقرأه من زاوية الثقافة والهوية والوعي.
قصة علي الوردي والاحتلال البريطاني
يذكّر هذا المشهد الكاتب بقصة وردت في كتاب الدكتور علي الوردي. وجاءت القصة في كتاب لمحات اجتماعية من تاريخ العراق المعاصر.
تتحدث القصة عن سيد معمم من أهالي الناصرية، كما يتذكر الكاتب. وكان يحذر الناس من الاحتلال الإنجليزي وسياسة المحتل.
كما كان يحثهم على الوعي وعدم الانخداع بخطاب السلطة الأجنبية. فبلغ ذلك المسؤول البريطاني في ذلك الوقت.
طلب المسؤول من سائقه أن يتوجه إلى المسجد الذي يخطب فيه السيد. كما أمره أن يتزامن الوصول مع خروج السيد من المسجد.
ثم أمر السائق بدهس السيد، ففعل السائق ذلك. واجتمع الناس يشتمون ويلعنون أمام المشهد الصادم.
نزل المسؤول البريطاني من السيارة غاضباً ومنفعلاً. وصرخ بسائقه: كيف قتلت رجلاً صالحاً؟
ثم أخرج مسدسه وأطلق رصاصة على رأس السائق فقتله. وذهل الناس من المشهد، وبدأوا يسألون أنفسهم عن معنى ما حدث.
قالوا: هل هؤلاء هم الإنجليز الذين حذرنا السيد منهم؟ فقد قتل المسؤول سائقه لأنه دهس السيد.
وهنا تكشف القصة منطق الخداع الاستعماري. فقد يصنع المحتل الجريمة، ثم يتظاهر بأنه يعاقب منفذها.
من الطف إلى معركة الثقافة
في كتاب زيارة الأربعين، دراسة في أنثروبولوجيا الدين والمجتمع، طرح الكاتب فكرة مركزية. فقد قال إن معركة الطف تحولت بعد يوم العاشر إلى معركة ثقافية.
انتهت المعركة الأولى في القرن الهجري الأول بمقتل الحسين وأبنائه وأصحابه. لكنها لم تنته في معناها الحضاري والسياسي.
لذلك، نحن معنيون اليوم بمواصلة هذه المعركة الثقافية. وإلا تحولت نهضة الحسين عليه السلام إلى طقوس فقط.
فلا يكفي أن تبقى القضية الحسينية في حدود النعي ومواكب الخدمة وموائد الطعام. فهذه المظاهر مهمة، لكنها لا تختصر جوهر النهضة.
ومن هنا، لا بد أن نربط الزيارة والطقس بالوعي. فالمعركة الثقافية تحتاج إلى عقل ناقد ومجتمع يقظ.
أمركة العالم ثقافياً
إذا أخذنا في الاعتبار بنية النظام العالمي الجديد، يصبح السؤال أكثر حساسية. فصناعة أي إرادة سياسية محلية لم تعد سهلة.
بل تمر، وفق النص، عبر إدارة عالمية تسعى إلى أمركة العالم ثقافياً. ولذلك يصبح التعليم أحد أهم ساحات الصراع الناعم.
ومن هنا، لا تبدو مدرسة أمريكية في كربلاء مجرد مؤسسة تعليمية. بل قد تتحول إلى سؤال ثقافي واجتماعي وسياسي واسع.
فهل نريد من علاقتنا بالقضية الحسينية النعي وحده؟ أم يجب أن ننتقل إلى مرحلة الوعي والبناء الثقافي المستقل؟
وإذا اتفقنا على أهمية الوعي في واقعنا اليوم، فالسؤال التالي مباشر. ماذا أعددنا لهذا الوعي في مدارسنا ومجتمعنا ومؤسساتنا؟
الخلاصة
في المحصلة، لا يرفض النص التعليم الحديث ولا تطوير المدارس. لكنه يرفض قراءة المشروع خارج سياق النفوذ والثقافة والسياسة.
فالعراق الذي ما زال يملك مدارس من الطين يحتاج إلى إصلاح تعليمي حقيقي. كما يحتاج إلى مشروع وطني لا تابع ولا مستورد بلا مساءلة.
أما كربلاء، بما تمثله من رمزية حسينية، فتحتاج إلى وعي أكبر. فهي ليست مكاناً عادياً في الذاكرة العراقية والإسلامية.
لذلك، يجب أن ينتقل المجتمع من الاكتفاء بالمناسك إلى بناء الوعي. فالقضية الحسينية ليست طقساً فقط، بل مسؤولية ثقافية وتربوية.
وقلبي عليك، وأنت يا وطني تنام على حجر.


