مع دخول المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها أسبوعها الثاني، تتسارع المؤشرات العسكرية والسياسية التي تدفع مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى إعادة تقييم مسار الحرب ونتائجها الأولية. وفي هذا السياق، تكشف تقارير صادرة عن مراكز أبحاث واستراتيجيات إيرانية عن قراءة تعتبر أن مسار العمليات لم يعد محصورًا في تبادل الضربات، بل انتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع أكثر تعقيدًا.
وبحسب هذه القراءة، فإن الأيام الأولى من المواجهة شهدت محاولات أمريكية وإسرائيلية لفرض تفوق ناري سريع، إلا أن تطور الأداء الإيراني أدى إلى انتقال زمام المبادرة تدريجيًا نحو اعتماد ما تصفه التقارير بـ”المفاجآت العملياتية”، عبر تنفيذ ضربات متصاعدة تستهدف مراكز الثقل العسكرية واللوجستية، بما يفرض على الخصم استنزافًا متزايدًا في القدرات الدفاعية والاعتراضية.
وتشير التقارير إلى أن الرسائل السياسية التي وصلت إلى طهران عبر وساطات إقليمية ودولية لم تؤدِّ إلى أي تغيير في الموقف الإيراني، بل تؤكد القراءة الإيرانية أن القيادة الإيرانية ما زالت تعتبر أن أي تفاوض تحت ضغط العمليات العسكرية يمثل تنازلًا استراتيجيًا غير مقبول. كما تستند هذه التقديرات إلى ما تصفه بتقارير استخبارية أمريكية تعترف بعدم وجود مؤشرات على استعداد إيران لتقديم تنازلات أو تعديل موقفها نتيجة الضغوط العسكرية.
ويحتل ملف مضيق هرمز موقعًا محوريًا في هذا التقييم، إذ تعتبر مراكز الدراسات الإيرانية أن استمرار إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة فيه شكّل نقطة تحول في المعركة الاقتصادية العالمية. فوفقًا للتقرير، أخفقت المحاولات الأمريكية في ضمان مرور آمن لناقلات النفط، في وقت سُجلت فيه عمليات استهداف لعدد من الناقلات، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق تسعين دولارًا للبرميل، بالتزامن مع تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى مستويات توصف بأنها الأدنى منذ عقود.
وعلى المستوى العسكري، تشير القراءة الإيرانية إلى اعتماد استراتيجية تقوم على استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، ولا سيما في الأردن والكويت. ويبرز في هذا السياق الحديث عن قواعد موفق السلطي في الزرقاء، والبرج 22، إضافة إلى ميناء العقبة، باعتبارها عقدًا لوجستية وعسكرية مؤثرة في العمليات الأمريكية. كما تؤكد التقارير أن استهداف شبكات الإنذار المبكر في الأردن يهدف إلى إضعاف منظومة الدفاع الجوي التي توفر حماية متقدمة للمجال الجوي الإسرائيلي، وإرباك آليات الإنذار والرصد قبل وصول التهديدات إلى أهدافها.
وفي البحرين، تتحدث مراكز الدراسات عن عمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة التابعة للقيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”، بما في ذلك الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وإدارة العمليات عن بُعد. ووفقًا للرواية الإيرانية، فإن هذه الضربات أسهمت في إحداث ارتباك داخل منظومة القيادة والسيطرة والاستخبارات الأمريكية، وهو ما انعكس على سرعة اتخاذ القرار والتنسيق العملياتي.
كما تتناول التقارير تطورًا آخر يتمثل في توسيع مفهوم الردع الإقليمي من خلال التنسيق مع اليمن، حيث يجري الحديث عن فرض معادلة جديدة عنوانها “الميناء بالميناء، والمطار بالمطار، والحصار بالحصار”. وترى هذه المراكز أن مشاركة القوات اليمنية في فرض حصار بحري مقابل للحصار المفروض على إيران يوسع نطاق المواجهة، وينقلها من إطار الصراع الثنائي إلى معادلة إقليمية متعددة الجبهات.
وفي ما يتعلق بالقدرات الصاروخية، تؤكد القراءة الإيرانية أن استخدام صواريخ ومسيرات ذات قدرات مناورة عالية، مثل “خيبر شكن” و”الحاج قاسم”، يهدف إلى تجاوز منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية، وإجبارها على استهلاك مخزونها الاعتراضي بوتيرة مرتفعة، بما يمهد لمرحلة أكثر تأثيرًا من العمليات العسكرية.
أما في ما تصفه التقارير بـ”الجولة الثانية” من المواجهة، فتتوقع مراكز الدراسات الإيرانية انتقال التركيز نحو استهداف البنى التحتية العسكرية واللوجستية، وخطوط نقل الوقود، والتحشدات العسكرية، إضافة إلى منشآت حيوية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها مطار بن غوريون، باعتبارها أهدافًا ذات تأثير مباشر على الحركة العسكرية والاقتصادية.
وفي المحصلة، تعكس هذه القراءة الإيرانية قناعة متزايدة بأن المواجهة تجاوزت مرحلة الضربات المتبادلة، لتدخل مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمية. فالحرب، وفق هذا المنظور، لم تعد تقاس بعدد الصواريخ أو حجم الأهداف التي تُقصف فحسب، بل بقدرة كل طرف على فرض معادلات ردع جديدة، وإدارة الاستنزاف طويل الأمد، والتأثير في موازين القوى السياسية والعسكرية في المنطقة.


