بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين
أقول إن مسألة استضافة بعض الدول لقواعد عسكرية أجنبية ليست قضية بروتوكولية أو تفصيلاً فنياً يُعالج في أروقة الاتفاقيات فقط، بل هي قرار يمسّ صميم السيادة والكرامة الوطنية. حين تُفتح أرض دولةٍ ما لتكون منطلقاً لفرض القوة أو شنّ الحروب، فإنها – شئنا أم أبينا – تدخل عملياً في معادلة الصراع، حتى لو رفعت شعار الحياد.
أنا أرى أن الأرض التي تنطلق منها الطائرات والصواريخ لا يمكن أن تبقى خارج الحسابات. في منطق الردع، القاعدة العسكرية ليست مبنىً إسمياً معزولاً، بل ضمن منصة عمليات. فإذا استُخدمت للاعتداء، فإنها تتحول إلى هدف ضمن معادلة الرد بالمثل. لكن هنا أؤكد – وأشدد – على ضرورة التفريق بين استهداف موقع عسكري محدد وبين الاعتداء على الشعوب أو البنى المدنية؛ فمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا تجيز العدوان على غير المحاربين، ولا تقبل التوسع في الرد بما يتجاوز موضعه.
أقول أيضاً: بعض القواعد قد استُخدمت دون موافقة صريحة من حكوماتها، فهذا يكشف عن خلل عميق في مفهوم السيادة. الدولة التي لا تملك قرار أرضها تجد نفسها في قلب المعادلة رغماً عنها. وهذا وضع بالغ الخطورة، لأنه يضعها بين ضغط الخارج وقلق الداخل.
أما فيما يخص الضربات الأخيرة التي استهدفت القواعد حصراً دون المساس بأراضي الدول المجاورة، رغم التحذيرات المسبقة، فأنا أقرأ في ذلك رسالة مزدوجة: رسالة قوة تقول إن الاعتداء لن يمر بلا رد، ورسالة ضبط نفس تقول إن الهدف هو مصدر العدوان لا توسيع رقعة الحرب. هذا – في الحسابات العسكرية – يُسمى بردٍّ محسوب، لا بردٍّ انفعالي.
وفي سياق المواجهة الإقليمية، نحن – برأيي – أمام تطور نوعي. الانتقال من التهديد النظري إلى التنفيذ العملي يغيّر قواعد الاشتباك. مصداقية أي قيادة تُختبر عند الامتحان: هل تبقى الكلمات شعارات، أم تتحول إلى أفعال؟ من وجهة نظر أنصار الجمهورية الإسلامية، فإن تنفيذ التعهدات يعزز صورة الحزم والالتزام. ومن وجهة نظر خصومها، يُقرأ الأمر بطريقة مختلفة. لكن في علم الاستراتيجية، التهديد الذي لا يُنفذ يضعف الردع، بينما الالتزام بالخطوط الحمراء – ضمن حدود مدروسة – يرسخ معادلة التوازن.
ومع ذلك، أقول بوضوح: لا أحد عاقل يتمنى حرباً شاملة في هذه المنطقة المثقلة بالجراح. الأصل في الشريعة هو حفظ الدماء، لكن دفع العدوان واجب إذا وقع. وقد علّمنا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الحق لا يُصان بالضعف، ولا يُدفع الظلم بالتمني.
الخلاصة التي أصل إليها هي أن من يختار أن يجعل أرضه جزءاً من شبكة الصراع الدولي، عليه أن يدرك أنه يدخل – موضوعياً – في معادلة الردع. والحياد الحقيقي لا يُحفظ بالشعارات، بل بصون القرار الوطني ومنع استخدام الأرض منصة لعدوان على الآخرين.
هذه قراءتي، أقولها بميزان الشرع والعقل، وبعينٍ حريصة على حقن الدماء ما أمكن، دون التفريط بالكرامة والسيادة.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


