الجمهورية الإسلامية: أنموذج السيادة الشعبية الدينية وتحديات الهيمنة العالمية

الجمهورية الإسلامية أنموذج السيادة الشعبية الدينية وتحديات الهيمنة العالمية
يعرض النص الجمهورية الإسلامية الإيرانية كنموذج حضاري يجمع بين الدين والسيادة الشعبية، ويحلل صراعها مع الهيمنة الغربية، ودورها في دعم المقاومة وبناء القدرات الذاتية، مؤكداً أنها تمثل بديلاً سياسياً يعزز الاستقلال والهوية...

مقدمة: ثورة عام 1979 وتحوّل نماذج القوة

في أعقاب الثورة الشعبية الكبرى عام 1979م، لم يشهد العالم مجرد تغيير في نظام سياسي قائم، بل كان شاهدًا على ولادة نموذج معرفي جديد كسر الثنائية القطبية السائدة آنذاك، وأعاد صياغة مفاهيم السيادة والشرعية السياسية. إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ظلّ التصعيدات الراهنة التي تمارسها قوى الهيمنة الدولية، لا تبرز كدولة ذات حدود جغرافية فحسب، بل كأطروحة سياسية-حضارية تتحدى منطق الهيمنة الغربية في جوهره. ويمثّل هذا الكيان تجربةً فريدة في حقل السوسيولوجيا السياسية، إذ نجح في الجمع بين المرجعية الوحيانية الإسلامية والإرادة الشعبية الجمهورية، في عصرٍ راح فيه كثيرون يزعمون أن الدين قد أُقصي نهائيًا عن إدارة شؤون المجتمع وتنظيم السلطة [1].

أولًا: السيادة الشعبية الدينية؛ تجاوز الثنائيات التقليدية

يكمن جوهر الجمهورية الإسلامية في ابتكار مفهوم “السيادة الشعبية الدينية”، وهو مفهوم يستعصي على الاختزال في الأنماط التقليدية المعروفة. فلم تُؤسَّس هذه الدولة بوصفها ثيوقراطية مغلقة بالمعنى الأوروبي القروسطي، بل كمشروع استند إلى فقه حركي متجدد يرى في “الولاية” تكليفًا شرعيًا لإقامة القسط والعدل في المجتمع الإنساني.

وقد قدّم الإمام الخميني (رضوان الله عليه) رؤيةً متكاملة في “الاجتهاد الزماني والمكاني”، مؤكدًا أنّ: «الإسلام دينٌ شامل، لا يقتصر على العبادات الفردية، بل هو منهاج متكامل يشمل السياسة والاقتصاد والقضاء والحرب والسلم» [2]. وقد سعى هذا النظام، عبر مؤسساته الدستورية كالبرلمان والانتخابات والقضاء المستقل، إلى ممارسة السيادة الوطنية ضمن الأطر القيمية الإسلامية، مرسيًا المبدأ القائل بأن حضور الشعب في الميدان السياسي هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لاستمرار المشروع الحضاري، وهو ما تجسّد في المقولة الشهيرة: “الميزان هو رأي الشعب” [3].

ثانيًا: جذور الصراع مع منظومة الهيمنة العالمية

إنّ العداء الغربي لهذا النظام لا يُفسَّر بالاختلاف على المصالح الاقتصادية وحدها، بل يمتد ليكون صراعًا وجوديًا بين مشروعين حضاريين متناقضين هما مشروع الهيمنة الذي يرى في العالم فضاءً أحاديًا خاضعًا لمعايير ليبرالية تحكمه مركزية غربية، وقواعد أمنية تصبّ في خدمة هذه المركزية وتُديم اشتغالها [4]. ومشروع الاستقلال الوطني الذي تتبناه الجمهورية الإسلامية تحت شعار “لا شرقية ولا غربية”، وهو رفضٌ صريح للتبعية السياسية والثقافية والأمنية في آنٍ واحد.

ومن منظور العلوم السياسية، تُصنَّف إيران “دولةً مراجِعة” للنظام الدولي القائم، لرفضها أن تكون مجرد عنصر وظيفي في منظومة الرأسمالية العالمية [5]. ولهذا، فإن الضغوط المتواصلة عليها لا تتعلق في جوهرها بملفات حقوق الإنسان كما يُروَّج، بل بامتلاكها إرادة القرار المستقل، وكسرها احتكار القوة في منطقة غرب آسيا.

ثالثًا: محورية المقاومة ونصرة المستضعفين

يمثّل الدعم الإيراني لمحور المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن عمقًا استراتيجيًا وأخلاقيًا نابعًا من “فقه المقاومة”، الذي يُؤطّر الموقف السياسي ضمن رؤية قرآنية متكاملة لا يمكن فصلها عن البنية العقدية للنظام. وهذا الدعم ليس ضربًا من ضروب التدخل في شؤون الآخرين، بل هو التزامٌ صريح بالمبدأ القرآني الأصيل في نصرة المظلوم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: 75).

وهذا الموقف يتجاوز الحدود القومية الضيقة ليؤسّس لأممية إسلامية تسعى إلى استرداد الحقوق المغتصبة، وفي مقدمتها القدس الشريف. وبتبنّيها القضية الفلسطينية أولويةً قصوى، أسقطت إيران كافة الرهانات الرامية إلى تصوير الصراع نزاعًا عرقيًا أو طائفيًا، محوّلةً إياه إلى معركة إنسانية كونية بين الحق والباطل [6].

رابعًا: الصمود الهيكلي وبناء القدرات الذاتية

من أبرز سمات هذا النظام قدرته على تحويل التهديد إلى فرصة، وهي سمة تكشف عن عمق الرؤية الاستراتيجية وصلابة البنية المؤسسية. فرغم سياسة “الضغط الأقصى” التي فرضتها الولايات المتحدة، استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تحقق جملةً من الإنجازات الموضوعية، أبرزها: بناء “اقتصاد المقاومة” الرامي إلى تقليص التبعية لعائدات النفط وتنويع مصادر الثروة الوطنية. وتحقيق طفرات علمية موثّقة في مجالات تقنية النانو، وعلم الخلايا الجذعية، وتكنولوجيا الفضاء [7]. وتطوير قدرات دفاعية رادعة في المجالين الصاروخي والطائرات المسيّرة، اعتمادًا على الكفاءات الوطنية المحلية [8].

وقد تمّ تحقيق هذه الإنجازات التقنية مع الإبقاء على الهوية الثقافية الأصيلة، ورفض الذوبان في العولمة التي كثيرًا ما تُفضي إلى إلغاء الخصوصيات الحضارية وتنميط المجتمعات.

خاتمة: حق تقرير المصير والنموذج البديل

يتبيّن مما سبق أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُمثّل نموذجًا حضاريًا بديلًا لا يمكن فهمه أو الحكم عليه بمعايير غريبة عن منطلقاته ومرجعياته. إنّ الدفاع عن حقها في الوجود في وجه الحملات الإعلامية المضلِّلة هو دفاعٌ بالأساس عن حق الشعوب في اختيار مساراتها الحضارية بإرادتها الحرة. وهي تمثّل اليوم قطبًا قيميًا يُثبت للعالم أن الحداثة لا تعني بالضرورة التخلي عن الدين، وأن الاستقلال وإن كان ثمنه باهظًا، فإن عائده هو العزة والكرامة والسيادة الحقيقية [9].

وبهذا المعنى، فالجمهورية الإسلامية ليست مجرد خيار سياسي تكتيكي، بل هي معطى تاريخي راسخ يُبشّر ببزوغ نظام دولي أكثر عدالةً وتعدديةً، نظامٍ يكون للمستضعفين فيه صوتٌ مسموع في رسم مستقبل البشرية وتحديد ملامحه.

المصادر والمراجع

[1] أنطوني غيدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصيّاغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005م، الفصل الخاص بالدين والمجتمع الحديث.

[2] الإمام روح الله الخميني، الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط3، 1979م، ص 11.

[3] الإمام روح الله الخميني، صحيفة النور: مجموعة خطابات وبيانات الإمام الخميني، وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، 1990م، المجلد العاشر.

[4] صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، سطور للنشر والتوزيع، القاهرة، 1999م، ص 45.

[5] كينيث والتز، نظرية السياسة الدولية، ترجمة د. وليد عبد الحي، مركز الخليج للأبحاث، الإمارات، 2007م، الفصل السادس.

[6] إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط3، 1984م، ص 203-204.

[7] مجلة Nature Index، تقارير العلوم والتقنية في إيران، الإصدارات: 2018-2023م.

[8] أنتوني كوردسمان، القوة العسكرية الإيرانية: الاستراتيجية والقدرات، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، واشنطن، 2019م.

[9] محمد عماد الدين الأصفهاني خاجوئي، الجمهورية الإسلامية: الهوية والإرادة والمشروع الحضاري، دار المعارف الإسلامية، قم، 2015م، ص 89-90.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *