محور المقاومة والجهاد الاقتصادي: قراءة في الصمود الحضاري بين الاستراتيجية والعمق النفسي

محور المقاومة والجهاد الاقتصادي قراءة في الصمود الحضاري بين الاستراتيجية والعمق النفسي
يرتكز الصمود أمام الحصار على تفاعل الاستراتيجية الاقتصادية مع الهوية الجمعية والمرجعية القيمية، حيث يعزز الاكتفاء الذاتي والقيادة المؤثرة والوعي الحضاري قدرة المجتمعات على مواجهة الضغوط النفسية والاقتصادية وتحويل التحديات إلى عوامل قوة واستمرار...

مقدمة: حين تلتقي إرادة الشعوب بمنطق التحرر

في زمن باتت فيه الحروب تُشنّ بأسلحة غير تقليدية، وأصبح الحصار الاقتصادي أداةً للإخضاع لا تقل فتكًا عن المدفع والصاروخ، تبرز تجربة محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجًا استثنائيًا في تاريخ مقاومة الهيمنة العالمية. فهذا المحور لم يُؤسَّس على التحالفات الهشّة التي تنهار عند أول امتحان، بل قام على مرتكزات عقدية وحضارية راسخة تمتح من رؤية إسلامية متكاملة للإنسان والمجتمع والتاريخ [1].

ومن الزاوية النفسية، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز التحليل السياسي الجاف، والغوص في أعماق ما يُحرّك الشعوب المُحاصَرة نحو الصمود بدلًا من الاستسلام. ذلك أن الحرب الاقتصادية ليست حربًا على الأرقام والموارد فحسب، بل هي في جوهرها حرب على الإرادة الإنسانية وعلى معنى الوجود الجمعي. وهنا يلتقي علم النفس بأحاديث أهل البيت عليهم السلام في قراءة مشتركة لظاهرة الصمود، وفي إجابة واحدة عن سؤال راهن: ما الذي يجعل شعبًا محاصرًا يختار البقاء دون أن ينكسر؟ [2].

أولًا: محور المقاومة كحقيقة استراتيجية لا مجرد خطاب

لا يمكن استيعاب عمق الجهاد الاقتصادي دون استيعاب الإطار الاستراتيجي الذي نشأ فيه محور المقاومة أولًا. فهذا المحور ليس تحالفًا هلاميًا نشأ بالصدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية إيرانية تُدرك أن الأمن لا يُبنى بالانعزال داخل الحدود، بل بتوسيع دوائر الثقل الإقليمي وتحويل الضعيف إلى قوة معادلة. منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م، أدرك مؤسسو الجمهورية أن العدو الاستراتيجي لن يتوقف عن المواجهة، فكان الخيار: إما الانزواء وانتظار الضربة القاضية، وإما بناء منظومة ردع استراتيجية تجعل ثمن أي عدوان باهظًا لا يُحتمل[3].

ومن هنا، نشأت علاقة الجمهورية الإسلامية مع المقاومة اللبنانية منذ الثمانينيات، ثم امتدت تدريجيًا لتشمل فصائل المقاومة الفلسطينية وقوات الحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن، حتى تشكّل ما بات يُعرف بمحور المقاومة الذي يمتد جغرافيًا من طهران إلى بيروت مرورًا ببغداد ودمشق وصنعاء وغزة. وما يُميّز هذا المحور عن سائر التحالفات الإقليمية أنه لا يقوم على مصالح آنية متبدّلة، بل يرتكز على رؤية مشتركة لطبيعة الصراع الحضاري وأهدافه البعيدة [4]. وقد أثبت صمود هذا المحور في أكثر من اختبار أنه ليس مجرد ورقة دبلوماسية، بل أداة ردع حقيقية أعادت رسم خرائط القوة في المنطقة برمتها.

ثانيًا: الجهاد الاقتصادي مفهومًا وممارسةً

الجهاد الاقتصادي مصطلح ضارب الجذور في الفقه الإسلامي، لكنه اكتسب في التجربة الإيرانية المعاصرة أبعادًا تطبيقية غير مسبوقة. فهو يقوم على مبدأ أن مواجهة العدو لا تنحصر في الميدان العسكري، بل تمتد إلى ميدان الاقتصاد الذي باتت الحروب الحديثة تُحسم فيه قبل أن تُطلق طلقة واحدة. وقد أطلق المرشد الخامنئي هذا المصطلح رسميًا في سياق توجيهاته للحكومات الإيرانية المتعاقبة، معتبرًا أن بناء الاقتصاد الداخلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ليسا خيارًا تنمويًا فحسب، بل واجبًا جهاديًا تفرضه ضرورات المواجهة مع الهيمنة العالمية [5].

وفي هذا السياق، صاغت إيران ما يُسمى باقتصاد المقاومة، وهو منظومة اقتصادية تقوم على تقليص الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وتطوير الصناعات المحلية في القطاعات الاستراتيجية كالدفاع والدواء والغذاء والتكنولوجيا، وتوسيع العلاقات التجارية مع الدول غير المنخرطة في منظومة الحصار الغربي. وقد جاءت نتائج هذه الاستراتيجية ملموسة رغم كل الصعوبات، ففي عام 2023م أشارت تقارير اقتصادية إلى أن إيران نجحت في تجاوز آثار العقوبات بشكل جزئي من خلال تعزيز صادراتها لبعض الدول الآسيوية وبناء شبكات مالية بديلة خارج نطاق النظام المصرفي الغربي [6].

ثالثًا: الحصار الاقتصادي كحرب نفسية وأثره على البنية الداخلية للمجتمع

لا يمكن فهم أبعاد الجهاد الاقتصادي دون استيعاب حقيقة أن الحصار الذي تفرضه القوى الكبرى ليس مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل هو في جوهره عملية نفسية ممنهجة تستهدف إحداث ثلاثة انهيارات متتالية في المجتمع المحاصَر: أولها انهيار الثقة الشعبية بالدولة، وثانيها انهيار التماسك الاجتماعي نتيجة ضغوط المعيشة، وثالثها انهيار الهوية الجمعية حين يبدأ الأفراد بمساءلة جدوى الصمود وجدارته [7]. وقد أثبتت الدراسات النفسية المتعلقة بظاهرة الحصار أن الضغط الاقتصادي المتراكم يُولّد ما يُسميه علماء النفس بالعجز المكتسب، وهو حالة يتوقف فيها الفرد عن محاولة تغيير واقعه ويُسلّم للشعور بالعجز التام، في غياب عوامل نفسية مضادة تُعيد إليه الشعور بالفاعلية والقدرة على التأثير [8].

وهنا بالضبط يبرز دور المرجعية الدينية وتعاليم أهل البيت عليهم السلام بوصفها عاملًا نفسيًا مضادًا من الدرجة الأولى. فحين يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «قيمة كل امرئ ما يُحسنه» [9]، فهو يُرسي في وجدان الإنسان المؤمن مبدأً مناقضًا جذريًا لمنطق العجز المكتسب، إذ يُقرّر أن قيمة الإنسان ليست في ثروته أو في ما يملكه، بل في ما يُتقنه ويُبدعه، وهذا المبدأ يُبقي للإنسان المحاصَر إحساسه بالكرامة والفاعلية مهما اشتدّ الحصار وضاق الخناق.

رابعًا: الهوية الجمعية والصمود الوجداني في مواجهة الحرب الناعمة

تُعدّ الهوية الجمعية القوية من أهم العوامل النفسية التي تحمي المجتمعات المحاصرة من الانهيار الداخلي. وقد أثبتت الدراسات النفسية الاجتماعية أن المجموعات التي تمتلك هويةً مشتركة راسخة، مبنيةً على قيم وتاريخ وأهداف جامعة، تُظهر مستوى أعلى بكثير من المرونة النفسية في مواجهة الأزمات الجماعية مقارنةً بالمجموعات ذات الهوية الهشّة أو المتفككة [10]. وفي هذا الإطار، نجحت الجمهورية الإسلامية في توظيف الذاكرة التاريخية الجمعية وربطها بمفاهيم دينية راسخة لتعزيز الهوية الوطنية الدينية بوصفها درعًا نفسيةً في مواجهة الحرب الناعمة. فالانتماء إلى ذاكرة كربلاء وثقافة الشهادة والصمود في وجه الظلم، ليست مجرد موروث تاريخي، بل هي منظومة نفسية حيّة تُعيد إنتاج نفسها في كل أزمة وتمنح الفرد والجماعة معنىً أعمق يتجاوز الحاجة المادية العابرة [11].

وقد أكد الإمام الحسين عليه السلام في خطبته يوم عاشوراء: «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم» [12]، فهذا الخطاب الذي تجاوز أربعة عشر قرنًا لا يزال يُنتج في نفوس المؤمنين به حافزًا للصمود مستقلًا عن حسابات الربح والخسارة المادية، وهو ما يُسميه علم النفس الوجودي بالدافع الوجودي أو الدافع الذي ينبع من المعنى لا من المصلحة.

خامسًا: علم النفس الإيجابي والصمود في ظل الشُّح

أثبت علم النفس الإيجابي بما لا يدع مجالًا للشك أن الإنسان قادر على الازدهار في ظروف الشُّح والضيق، متى توفّرت له ثلاثة عناصر نفسية جوهرية هي: الشعور بالمعنى، والشعور بالانتماء، والشعور بالقدرة على التأثير. وهذه العناصر الثلاثة بعينها هي ما تحرص تعاليم أهل البيت عليهم السلام على تغذيتها وتعزيزها في الإنسان المؤمن [13]. فمن حيث المعنى، يُعلّم الإمام الصادق عليه السلام: «إن الله إذا أحبّ عبدًا غتّه بالبلاء غتًا» [14]، أي أن البلاء في هذا المنظور ليس عقوبة بل علامة قرب وامتحان رفعة، وهذا التأطير الديني للمعاناة هو ما يُسميه علم النفس الإيجابي بإعادة الصياغة المعرفية، وهي أقوى أساليب إدارة الضغوط في علم النفس المعاصر.

ومن حيث الانتماء، تُؤكد أحاديث أهل البيت مرارًا على أن المؤمن لا يعيش وحده في مواجهة الصعاب، بل هو جزء من جماعة حيّة متكافلة، فيقول الإمام الكاظم عليه السلام: «الكاد على عياله من حلال كالمجاهد في سبيل الله» [15]، فهذا الحديث يُحوّل العمل اليومي الشاق في سياق الضائقة الاقتصادية من مجرد كدح مُجهِد إلى فعل جهادي نبيل، ويمنح الإنسان العامل في ظروف الحصار إحساسًا بالكرامة والمعنى يُقاومه به.

سادسًا: القيادة الرشيدة وأثرها النفسي في تعزيز صمود الشعوب

لا تُفهم ظاهرة الصمود الجمعي بمعزل عن طبيعة القيادة التي تتولى توجيه الشعوب في أوقات الأزمات. فعلم النفس القيادي يُثبت أن القيادة التحويلية، أي القيادة التي تعمل على إلهام أتباعها وتحويل دوافعهم من المادي إلى القيمي، هي الأكثر فاعلية في تحفيز الشعوب على الصمود في ظروف الضغط الشديد [16]. وقد مثّلت قيادة أهل البيت عليهم السلام النموذج الأعلى لهذا النوع من القيادة، فالإمام علي عليه السلام في حكمه لم يكتفِ بإصدار الأوامر والتوجيهات، بل كان يُجسّد في سلوكه الشخصي أعلى مستويات الزهد والعدل، حتى روي أنه كان يُرقّع ثوبه بيده ويأكل خبز الشعير، وهو أمير المؤمنين، لأنه لا يرى من حقه أن يأكل أكثر مما يأكل أضعف رعيّته [17].

وهذا النموذج القيادي يُولّد في نفوس الأتباع نوعًا راقيًا من الثقة والولاء لا يهزّه تقلّب الظروف، لأنه لا يقوم على المصلحة العابرة بل على الاقتناع العميق بصدق القائد وأصالته. ومن المنظور النفسي، فإن هذا النوع من القيادة هو الذي يُفسّر قدرة المجتمعات المؤمنة على الصمود في ظروف الحصار التي دفعت مجتمعات أخرى إلى الاستسلام والتفكك.

سابعًا: الاكتفاء الذاتي بين الضرورة الاستراتيجية والتعليم النبوي

من أبرز ركائز الجهاد الاقتصادي كما تُمارسه إيران اليوم هو السعي المتواصل نحو الاكتفاء الذاتي في القطاعات الاستراتيجية. وقد حقق هذا المسعى نتائج ملموسة تشهد عليها أرقام موثّقة: فإيران تُنتج اليوم ما يزيد على 97% من احتياجاتها من الأدوية محليًا، وتمتلك صناعة دفاعية متطورة أنتجت طائرات مسيّرة صادرتها إلى أكثر من دولة، كما أطلقت أقمارًا صناعية بقدرات ذاتية خالصة، وباتت تُصدّر المنتجات الزراعية والغذائية في ظروف كان يُتوقع فيها أن يُعاني شعبها المجاعة [18].

وما يُثير الإعجاب هو أن هذا التوجه نحو الاكتفاء الذاتي لم يُولَد في دهاليز السياسة الاقتصادية الحديثة فحسب، بل يجد جذوره في التعليم الإسلامي الأصيل. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نِعم العون على تقوى الله الغنى» [19]، والغنى هنا لا يُقصد به الترف والإسراف، بل الاكتفاء الذي يُعتق الإنسان من الحاجة والذل، ويُتيح له أن يعيش بكرامة مستقلة لا يُساوَم على قيمه وانتماءاته. وعلى المستوى النفسي، فإن الاكتفاء الذاتي يُعزز ما يُسميه علماء النفس بالكفاءة الذاتية، وهي الإحساس بالقدرة على إدارة الحياة والتعامل مع تحدياتها، وهي من أقوى عوامل الصحة النفسية وأكثرها إسهامًا في بناء الصمود في وجه الأزمات [20].

خاتمة: الصمود ليس عنادًا بل اختيار حضاري

إن ما يُقدّمه محور المقاومة والجهاد الاقتصادي الإيراني للمراقب المنصف ليس مجرد سردية مقاومة إقليمية ضيّقة، بل هو في جوهره نموذج حضاري متكامل يقوم على ثلاثية محكمة: الوعي بطبيعة الصراع، والإرادة الجمعية المستمَدة من العمق الديني والنفسي، والاستراتيجية الاقتصادية القائمة على الاكتفاء الذاتي لا الانكفاء الانعزالي.

وتعاليم أهل البيت عليهم السلام في هذا السياق ليست زينةً خطابية تُلصق على السياسة من الخارج، بل هي الرافد الروحي العميق الذي يُمدّ هذا الصمود بطاقة متجدّدة لا تنضب، لأنها تُحوّل الحصار من مصدر قهر وإذلال إلى ساحة جهاد ومعنى وفرصة للتجلّي الحضاري. وحين يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا» [21]، فهو لا يُلقي كلمةً في الهواء، بل يُعلن مبدأً يُلخّص التجربة الإيرانية بأسرها: أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الصمود ليس تعنّتًا بل اختيار وجداني يصنعه الإنسان حين يُدرك قيمة ذاته وقداسة قضيته.

المصادر والمراجع

[1] وليد شقير، محور المقاومة: المعادلات الجديدة في الشرق الأوسط، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2020م، ص 45.

[2] أنثوني غيدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005م، الفصل الثاني عشر، ص 387-388.

[3] محمد حسنين هيكل، الانفجار: 1967م وبعده، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1990م، ص135.

[4] ناصر قنديل، جغرافيا النار: المشرق في مرحلة التحولات الكبرى، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2021م، ص 78.

[5] علي خامنئي، سياسات الاقتصاد المقاوم: الأسس والتوجيهات، مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، طهران، 2014م، ص 23-24.

[6] مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تقرير العقوبات الاقتصادية وتداعياتها على إيران 2023م، واشنطن، 2023م، ص 56-58.

[7] يوهان غالتونغ، العنف الهيكلي وأثره على المجتمعات المحاصَرة، ترجمة إبراهيم عثمان، دار المدى، دمشق، 2008م، ص 89.

[8] مارتن سيليغمان، العجز المكتسب: نحو نظرية جديدة للاكتئاب، ترجمة أحمد عبد الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010م، ص 134.

[9] الشريف الرضي، نهج البلاغة: مجموعة كلمات الإمام علي عليه السلام، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1990م، الحكمة رقم 81، ص 482.

[10] هنري تاجفيل وجون تيرنر، نظرية الهوية الاجتماعية، ترجمة محمد حسن غانم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2006م، ص 201.

[11] علي شريعتي، الشهادة، ترجمة هاشم الحسيني، دار الأمير، بيروت، 2003م، ص 67-68.

[12] ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1414 هـ، ص179.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *