﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
ليس كل من وُلد في بيتٍ عظيمٍ كان امتداداً له، ولا كل من تربى على يد الشهداء حَفِظ وصاياهم… فالتاريخ ــ كما القرآن ــ يخبرنا أن الانحراف لا يبدأ دائماً بالعداء الصريح، بل غالباً ما يتسلل تحت عناوين ناعمة، وشعارات براقة، وخطابٍ منمق يُفرغ القيم من مضمونها ويُبقي أسماءها فقط.
السيد عمار الحكيم، نجل السيد عبد العزيز الحكيم، وحفيد المرجع الكبير السيد محسن الحكيم، والذي رَباه علمياً وسياسياً عمه شهيد المحراب محمد باقر الحكيم رضوان الله عليهم، كان يُنتظر منه أن يكون وارث النهج لا وارث الاسم فقط ؟ … أن يكون امتداداً للمشروع لا ظلاً باهتاً له… غير أن المسار الذي اختاره بعد مفترق الطرق يطرح أسئلة مشروعة، لا بد منها، ولا يصح الهروب منها.
فأي قراءة يمكن أن تُعطى لهذا الاقتراب المتزايد من خطاب مدني مُعقم، منزوع الروح العقائدية، يهادن العلمانية أكثر مما يُحاورها، ويجامل التبرج والانفلات القيمي باسم (الانفتاح) (جندرة)، بينما حقيقة بيت الحكيم تاريخياً حارساً للهوية الإسلامية والشيعية خصوصاً، لا وسيطاً بينها وبين التمييع؟
وأي دلالة يمكن تجاوزها حين يصبح المحيط القيادي مثقلاً بالشبهات، وتدور في فلكه أسماء أُنهكتها الفضائح الأخلاقية، والبصمات الصوتية، والارتباطات الملتبسة؟ هل يُعقل أن يكون هذا محض صدفة سياسية؟ أم أن في الأمر إعادة تعريف صامتة للمعايير، حيث تُقدم البراغماتية على النزاهة، والقبول الخارجي على الثبات الداخلي؟
لقد كان المنتظر من السيد عمار أن يكون راعي البيت الشيعي، وجامع الكلمة داخل الإطار التنسيقي، وحارس استحقاق المكون الأكبر، لا أن يتحول ــ بوعي أو بغير وعي ــ إلى حلقة رمادية تُربك الاتجاه، وتُضعف البوصلة، وتفتح الأبواب أمام مشاريع لا تُشبه تضحيات الشهداء.
ويبقى العتب ــ وهو أصدق الكلام ــ سؤال وجعٍ لا اتهام: أين مشروع شهيد المحراب محمد باقر الحكيم، ذلك المشروع الإسلامي الولائي المرجعي الذي لم يكن خطاباً سياسياً عابراً، بل رؤية لبناء أمة، وصياغة جماعة صالحة، وتحصين هوية؟ أين أنتم من ذلك الحلم الذي رُسم بالدم، وسُقي بالتضحيات، وحُمِل على أكتاف الشهداء؟ وأين أنت من مشروع عمك الشهيد السيد مهدي الحكيم، ومن دماء شهداء آل الحكيم، هذه الشجرة المثمرة.. طوبى لها بما قدمت، وبما صبرت، وبما ثبتت عليه؟ لقد كان شهيد المحراب، وعزيز العراق، يدعوان إلى بناء الجماعة الصالحة لا إلى تفكيكها، وإلى ترسيخ الهوية لا تمييعها، وإلى وضوح الموقف لا ازدواجيته … وهذا السؤال، بكل ما فيه من حرقة، لا يُطرح شماتةً ولا خصومة، بل خوفاً على مشروعٍ إن غاب، غاب معه معنى كل تلك التضحيات.
والقرآن حين قص علينا خبر ابن نوح، لم يكن يحدثنا عن نسبٍ ضاع، بل عن خيارٍ انحرف:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
فالقرب من الأنبياء لا يعصم من السقوط، ما لم يكن هناك التزام بالمنهج… وكذلك أبناء يعقوب، حين أضلتهم الأهواء، لم يشفع لهم البيت ولا الاسم حتى راجعوا أنفسهم.
إن أخطر أشكال الانقلاب ليس ذاك الذي يُعلن القطيعة، بل الذي يُعيد تموضعه بهدوء، ويُبدل الأولويات تحت عناوين وطنية عامة، ويُربك جمهور المقـ.ـاومة بخطابٍ مزدوج: طمأنة في الداخل، ورسائل مريحة في الخارج… وهنا تحديداً تُطرح علامات الاستفهام عن حدود الاستقلال السـ.ـياسي، وعن طبيعة الاطمئنان الإقليمي والدولي، وعن الثمن غير المُعلن لهذا (القبول).
لسنا هنا في مقام التخوين السهل، ولا في سوق الاتهامات المجانية، لكننا في مقام التحذير العقائدي الذي لا يُجامل:
فمن يبتعد عن خط المرجعية، ويُضعف صلته بمحور الدم والتضحية، ويُعيد تعريف الصراع بلغةٍ باردة، فإنما يفتح على نفسه باب سوء العاقبة، ولو بعد حين.
إن نكران الذات، الذي كان سِمة الشهداء، لا يُترجم بخطاب ناعم، بل بموقف واضح… والقيادة التي تُراكم الرمزية دون مضمون، سرعان ما تتحول إلى عبءٍ على التاريخ لا إضافةً إليه.
والتاريخ ــ كما القرآن ــ لا يرحم المترددين، ولا يحفظ إلا من ثبت حين كان الثبات مكلفاً، لا مريحاً.


