داعش بيننا لا أمامنا … مخيم الهول ..الخطر المؤجل

داعش بيننا لا أمامنا … مخيم الهول ..الخطر المؤجل
يناقش النص خطورة نقل عائلات داعش من مخيم الهول إلى العراق، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تنقل الخطر من الحدود إلى العمق العراقي، مما يزيد العبء الأمني والاقتصادي، ويؤدي إلى فتح جبهات داخلية قابلة للاشتعال...

في خضم الارتباك الإقليمي وتشابك الملفات الأمنية، يطفو على السطح مشروع بالغ الحساسية والخطورة، يتمثل بنقل عناصر تنظيم داعش وعوائلهم من مخيم الهول السوري إلى داخل الأراضي العراقية، تحت عناوين إنسانية وإجرائية تبدو في ظاهرها مقننة امنيا قوميا وسياسيا  ، لكنها في جوهرها تفتح أبوابا واسعة لأسئلة أمنية وسيادية واقتصادية لا يمكن القفز فوقها.

العراق اليوم لا يعاني فراغا أمنيا على حدوده، بل على العكس تماما؛ فالقوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها، من الجيش والحشد الشعبي وحرس الحدود والشرطة، تمسك بالحدود الغربية والشمالية بإحكام غير مسبوق، وتؤدي واجبها بجهوزية عالية جعلت من الحدود خطوطا صلبة لا تُخترق … وأمام هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري: ما الحاجة إلى إدخال هذا الخطر المحتمل من بوابة أخرى، ليصبح خلف خطوط تلك القوات بدل أن يبقى أمام أعينها وتحت رقابتها؟ بالاراضي السورية .

إن توصيف هذا المشروع كإجراء إداري أو إنساني فحسب، يتجاهل حقيقة بالغة الخطورة، وهي أن مخيم الهول لم يكن يوما مجرد تجمع للنازحين، بل وُصف مرارا – إقليميا ودوليا – بأنه قنبلة موقوتة .. وإذا كان وجود هذه القنبلة خارج الحدود يثير القلق، فإن نقلها إلى الداخل العراقي يعني نقل دائرة الخطر من الأطراف إلى العمق، وتحويل تهديد مُراقب إلى أزمة داخلية مفتوحة الاحتمالات.

وفي خضم هذا الملف المعقد، تخرج بين الحين والآخر أصوات نشاز في بعض المنابر الإعلامية، تحاول خلط الأوراق وإعادة تدوير خطاب مضلل، عبر الحديث عن ما يسمّى (بـالمغيبين) في مناطق محددة، في إيحاء مقصود بوجود ملف غامض أو مظلومية بلا إجابة … والحقيقة التي لا تقبل الالتفاف أن الآلاف الذين يُشار إليهم بأرقام متفاوتة، سواء كانوا سبعة آلاف أو عشرة آلاف أو خمسة آلاف، والمتوزعين في مخيم الهول وغيره من المخيمات، ليسوا مغيبين بالمعنى الحقيقي، بل هم عناصر تنظيم داعش وعوائلهم، إرهابيون تكفيريون، تورطوا بالقتل والإجرام وسفك دماء العراقيين، وهم معروفوا الهوية والانتماء والمسار.

وهنا لا بد من التأكيد أن داعش، وجبهة النصرة، وما يُعرف بهيئة تحرير الشام، مهما اختلفت تسمياتهم أو تبدلت وجوههم، فهم نتاج مدرسة تكفيرية عقائدية واحدة، لا يفصل بينهم إلا خلاف على المغانم والنفوذ، لا على الفكر ولا على المنهج .. وعليه، فإن محاولة الفصل بينهم أو إعادة توصيفهم كحالات منفصلة، هو تضليل سياسي وإعلامي مكشوف، لا يغير من حقيقتهم الإرهابية شيئا.

الأخطر من ذلك أن إدخال هؤلاء إلى العراق لا يتم عبر اختراق أمني يمكن رصده، بل عبر ما يشبه (حصان طروادة)  السياسي: دخول مقنن، يُراد له أن يبدو منظما، لكنه في حقيقته ينقل الخطر من كونه أمام أعين القوات الأمنية على الحدود، إلى كونه خلف خطوطها، وعلى مسافات داخلية بعيدة، ما يبدل معادلة المواجهة من احتواء خارجي إلى استنزاف داخلي طويل الأمد.

ومن الزاوية الاقتصادية، يواجه العراق اليوم ضغوطا مالية واضحة وتقشفا غير مسبوق، أثقل كاهل الدولة والمواطن معا .. فكيف يمكن تبرير تحمل تكاليف إسكان وإعاشة وتأمين وبناء مخيمات وبنى تحتية، وتخصيص قوات إضافية، لملف لم يكن العراق سببا في صناعته، ولا طرفا في تعقيداته، بينما تُؤجل استحقاقات داخلية أساسية تمس حياة العراقيين مباشرة؟

إن قبول هذا العبء لا يعني فقط استنزاف الموارد، بل يعني إنهاك الدولة أمنيا ونفسيا، وفتح جبهة رخوة داخلية قابلة للاشتعال في أي لحظة، سواء عبر محاولات إعادة التنظيم، أو بث الفكر المتطرف، أو خلق بؤر توتر اجتماعي يصعب احتواؤها مستقبلا.

من هنا، فإن المقاربة الوطنية المسؤولة لا تقوم على الرفض الانفعالي ولا على القبول الساذج، بل على مبدأ واضح: مكان هؤلاء يجب أن يبقى خارج الأراضي العراقية، حيث يكونون تحت المراقبة المباشرة وأمام أعين القوات، لا خلفها، وحيث تبقى حدود العراق مؤمنة، لا مُفرغة من معناها.

إن حماية العراق لا تكون فقط بالسلاح على الحدود، بل بالقرار السيادي الواعي، وبمنع نقل الأزمات إلى الداخل، وبإدراك أن ما لا يُحسم بحكمة اليوم، قد يتحول غدا إلى خطر لا تنفع معه كل المعالجات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *