كان يا ما كان، في زمنٍ ليس بالبعيد، عاش العراقُ دهراً من القهر والوجع تحت سيف رجل لا يُعرف له نسب ، ولا شرفٌ في الحكم. رجلٌ تزياً بلباس القائد، وهو في باطنه عبد للدم والحديد، يُدعى صدام التكريتي ، من بقايا فكر وارهاب جاهلي اموي عباسي رجعي امتلأ كُفراً واستبداداً، كما امتلأت السجونُ من ضحاياه .. كان يحكم العراق كما يحكم الجزارُ قطيعه، لا يُسمع إلا صوته، ولا يُرى في أوراق الاقتراع سواه، فتُكتَب النتيجة قبل التصويت: (نعم… 99.99%) وكأن العراق بأرضه وسمائه لم يُخلق إلا لتصفيق لطاغية يعبد ذاته.
في ذلك الزمان، كانت الانتخاباتُ مراثي لا مواسم ديمقراطية، وكانت البيوتُ تُطرق بالأوامر لا بالأمل، وكان العراقي يُساق إلى صندوق يشبه القبر، يضع فيه ورقة واحدة كأنها شهادةُ ولاء تُكتب بالدم.
لكن في يوم مبارك، في التاسع من نيسان عام 2003، انشقّ ليلُ الديكتاتورية، وولد فجرُ الحرية، وإنْ كان مخاضُه عسيراً .. نعم، لقد تنفس العراقيون أول أنفاسهم بعد عقود من الغُبن، وسقط الصنمُ الذي ما ظن أحد أنه سيسقط، وتحقق وعدُ الله في قوله تعالى:
(( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ))
ومن يومها تغير وجهُ العراق، وأصبح الصندوقُ الانتخابي رمزاً للكرامة لا أداةً للعبودية .. صار المواطنُ يختار بحرية، لا يخشى جلاداً، ولا يهابُ حزباً، ولا يُساقُ بالعصا إلى صناديق أُعدت لتمجيد الطاغوت .. اليوم، يختار العراقي من يشاء، ويُعارض من يشاء، ويقاطع من يشاء، فالحُرية كما قال أمير المؤمنين (ع) (لا تكن عبدَ غيرك وقد جعلَك اللهُ حرّاً)
نعم، الحُرية هذن النعمة الكبرى بعد زمن كان فيه الكلامُ جريمة، والشكوىُ خيانة، والدمُ رخيصاً إلا إنْ كان في سبيل البعث وصدام وعفلق.
إن واجب الشرفاء أن يصونوا هذه النعمة، لا أن يستهينوا بها، وأن يشاركوا في صناعة القرار، لأن من يتركُ صندوقه اليوم فارغاً، يتركُ غده في يد من لا يرحم .. فيجب ان نشارك ، بل نحث وندعم لا يجب ان يكون هنالك فرار من المسؤولية ..
فلنحمد الله على عراق مقتدر تُرفع فيه الأصوات لا تُقطع، وتُكتب فيه المقالات لا تُحرق، وتُعلّق فيه اللافتات لا المشانق .. نعم، لا زالت في الطريق عثرات، وفي الساسة عيوب، لكننا لم نعد أسرى لرجل واحدٍ يقول ( أنا الدولة والدولة أنا)
أيها الأحبة، العراقُ اليوم بحاجة إلى وعي يليقُ بتاريخه، وإلى صناديقَ تُملأ بالعقول لا بالعناوين، وإلى أصوات تُحسنُ الاختيار لا تُفرّطُ بالقرار … فكما أن الكلمة في موضعها تُنقذُ أمة، فإن الورقةَ في الصندوق تُغير مصيراً.
واختتم بقول من نهج البلاغة، كأنه كُتب للعراق اليوم:
( إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني )
وكذلك في السياسة، ما فسد وطن إلا بما فرط فيه مواطن.
فلنحافظ على الحرية التي خلصنا الله بها من ليل البعث ، ولنجعل من الانتخابات ميداناً للكرامة لا ساحة للغفلة، ولنتذكر دوماً أن السكوت عن الصندوق، عودة إلى السجن.


