في ظلّ التوترات المتصاعدة في المنطقة، خصوصاً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز الحدث الآني:
هل يكفي الانسجام السياسي بين الدول الإسلامية لبناء مظلة ردع حقيقية، أم أن غياب التكامل الاقتصادي يجعل هذا الانسجام شكلياً وعرضةً للتصدع؟
أولاً: الانسجام السياسي وحدوده الواقعية
الانسجام السياسي — إن تحقق — يشكّل رسالة تضامن رمزية، لكنه لا يصنع ميزان قوة.
فالسياسة من دون اقتصاد تبقى موقفاً أخلاقياً، لا أداة تأثير.
العالم المعاصر تحكمه المصالح المترابطة، وسلاسل الإمداد، والتحالفات الاقتصادية المعقّدة. لذلك، فإن أي خطاب سياسي غير مسنود ببنية مصالح مشتركة يبقى محدود الفاعلية أمام منظومات دولية راسخة.
ثانياً: معضلة الاصطفاف والتطبيع
لا يمكن قراءة المشهد بعيداً عن حقيقة أن عدداً من الدول العربية أقام علاقات علنية مع إسرائيل ضمن مسار التطبيع المعروف، بينما تحتفظ دول أخرى بقنوات اتصال غير معلنة. كما أن أغلبية الدول العربية ترتبط بشراكات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة على المستويات الأمنية والاقتصادية والعسكرية.
هذا الواقع يخلق معادلة معقّدة:
تضارب في أولويات الأمن القومي.
تباين في تعريف “التهديد”.
اختلاف في حسابات الكلفة والعائد.
وفي ظل هذا التباين، يصبح الحديث عن جبهة سياسية موحّدة أمراً شديد الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل في المرحلة الراهنة.
ثالثاً: لماذا التكامل الاقتصادي هو الحلقة المفقودة؟
التكامل الاقتصادي لا يعني بالضرورة التوافق الأيديولوجي، بل بناء مصالح مشتركة تجعل الانقسام مكلفاً.
فلو وُجدت:
شبكات طاقة موحّدة
صناعات استراتيجية مشتركة
منظومات دفع وتسويات تجارية مستقلة
استثمارات عابرة للحدود بين الدول الإسلامية
لأصبح أي توتر سياسي مهدداً لمصالح جماعية، ما يفرض نوعاً من الانضباط الإقليمي.
لكن في ظل اعتماد اقتصادي واسع على الغرب، وتفاوتات حادة في البُنى الاقتصادية، يبقى القرار السياسي مقيّداً بحدود النظام الدولي القائم.
رابعاً: هل التكامل ممكن في المدى القريب؟
واقعيّاً، يبدو الطريق طويلاً.
فالانقسامات السياسية، وتباين التحالفات، وتضارب المصالح، كلها عوامل تجعل مشروع التكامل الشامل مؤجلاً.
غير أن البديل ليس الاستسلام لفكرة الاستحالة، بل البدء بخطوات تدريجية:
تكتلات اقتصادية جزئية
مشاريع ثنائية أو ثلاثية قابلة للتوسع
تعاون تقني وصناعي بعيد عن الاستقطاب السياسي
فالتكامل الكبير يبدأ دائماً من دوائر صغيرة.
الخلاصة
الانسجام السياسي وحده لا يبني ردعاً.
والتكامل الاقتصادي في ظل الاصطفافات الحالية يبدو بالغ التعقيد.
لكن الحقيقة الأهم هي أن العالم لا يحترم إلا الكتل القادرة على حماية مصالحها.
وأي مشروع استقلال قرار — سواء في طهران أو في العواصم العربية — لن يكتمل ما لم يتحوّل التضامن من خطابٍ إلى بنية مصالح مترابطة.
المرحلة الراهنة قد تجعل الوحدة شبه مستحيلة،
لكن التاريخ يعلّمنا أن التحولات الكبرى تبدأ حين تدرك الدول أن تفرّقها أخطر عليها من خلافاتها.


