الحرب الراهنة في الشرق الأوسط: حصيلة إخفاق المؤسّسات الدولية وتصاعد المعضلة الأمنية

الحرب الراهنة في الشرق الأوسط حصيلة إخفاق المؤسّسات الدولية وتصاعد المعضلة الأمنية
تتناول الدراسة الحرب المندلعة في مارس 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بوصفها نتاج إخفاق مؤسسي دولي وتصاعد للمعضلة الأمنية، مع تحذير من تكرار سيناريو 2003، والدعوة إلى إحياء الدبلوماسية والحد من نفوذ جماعات الضغط لتفادي تفكك إقليمي أوسع....

بوصفي أكاديميًا عراقيًا عايش تداعيات التدخلات الخارجية، ولا سيّما غزو العراق عام 2003، أتابع الحرب التي اندلعت في 2 مارس/آذار 2026 بقلق بالغ ورؤية تحليلية نقدية. فالضربات الواسعة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تلاها من اغتيال القيادة العليا والسعي المعلن إلى تغيير النظام، لا تمثّل مجرّد مواجهة عسكرية محدودة، بل تعكس خللًا بنيويًا عميقًا في النظام الدولي وعجزًا واضحًا في آليات منع النزاعات. ومع اتساع نطاق التصعيد وامتداد الردود الإيرانية إلى قواعد أمريكية في البحرين والعراق والأردن، دخلت المنطقة مجددًا في دائرة عدم استقرار هيكلي يهدّد أمنها الجماعي.

أولًا: إخفاق المؤسّسات الدولية

أُنشئت الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية لضمان السلم والأمن الدوليين، غير أنّ هيكلية مجلس الأمن، القائمة على حق النقض للدول الدائمة العضوية، أفرغت المجلس من قدرته على محاسبة القوى الكبرى أو كبح حلفائها. وقد شهد الشرق الأوسط مرارًا عجز المجلس عن منع الحروب أو فرض احترام القانون الدولي. كما حدث في عام 2003 حين استُخدمت مزاعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل ذريعةً للتدخل العسكري رغم غياب الأدلة القاطعة.

في الأزمة الراهنة، ورغم تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة من مخاطر الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، لم يتمكن المجلس من اتخاذ موقف فعّال لوقف التصعيد. هذا العجز يكرّس فراغًا استراتيجيًا يسمح للقوى المهيمنة بفرض إرادتها خارج إطار الشرعية الدولية، ويقوّض مبدأ حظر استخدام القوة إلا دفاعًا عن النفس وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.

ثانيًا: تكرار نموذج 2003

تشبه أحداث 2026، من حيث منطق التبرير، ما جرى عام 2003. فقد استندت الحرب على العراق إلى معلومات تبيّن لاحقًا عدم صحتها. واليوم تُطرح ادعاءات حول تهديد نووي إيراني داهم، في حين كانت قنوات التفاوض قائمة ولم تُقدَّم أدلة دامغة على وجود نية إيرانية لشنّ هجوم مباشر. إن تحويل الشكوك أو الاحتمالات إلى مبررات للحرب يضعف منظومة الأمن الجماعي، ويفتح الباب أمام سياسة الضربات الاستباقية بوصفها أداة طبيعية في إدارة الأزمات.

لقد أثبتت تجربة العراق أن تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية لا ينتج استقرارًا، بل يخلّف فراغًا سياسيًا وأمنيًا يغذّي التطرف والعنف ويزعزع التوازن الإقليمي لسنوات طويلة. ومن ثمّ فإن تكرار السيناريو ذاته في إيران ينذر بتداعيات أوسع نطاقًا وأشدّ خطورة.

ثالثًا: الدور المحوري للوبي الإسرائيلي

لا يمكن تحليل القرار الأمريكي دون التوقف عند التأثير العميق للوبي الإسرائيلي في واشنطن. فشبكات الضغط السياسي والمالي والإعلامي الداعمة لإسرائيل لعبت، على مدى عقود، دورًا مؤثرًا في صياغة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي السياق الراهن، كان لهذا اللوبي حضور بارز في الدفع نحو الخيار العسكري وتضييق هامش الدبلوماسية، عبر تصوير إيران تهديدًا وجوديًا لا يمكن احتواؤه إلا بالقوة.

إن الحديث عن اللوبي الإسرائيلي هنا ليس تبنّيًا لطرح تبسيطي أو نظرية مؤامرة، بل توصيف لواقع موثّق في الأدبيات الأكاديمية والسياسية. لقد أسهم هذا التأثير في خلق مناخ سياسي يجعل اللجوء إلى القوة خيارًا مفضّلًا، حتى عندما تكون البدائل الدبلوماسية قائمة. ومن منظور أكاديمي، فإن استمرار نفوذ لوبيات غير عقلانية أو أيديولوجية تدفع نحو عسكرة المنطقة يشكّل خطرًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الصراع الحالي.

وعليه، فإن من الضروري في المرحلة المقبلة العمل على الحدّ من تأثير جماعات الضغط التي تُغذّي سياسات التصعيد وتدفع المنطقة نحو أتون الصراعات المتكررة. فصناعة القرار الدولي يجب أن تستند إلى حسابات عقلانية تراعي الاستقرار الإقليمي، لا إلى أجندات ضيقة أو اعتبارات انتخابية آنية.

رابعًا: إرث انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة

إن جزءًا من التصعيد الراهن يعود إلى أزمة ثقة متراكمة. فقد أدّى الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، رغم تقارير تؤكد التزام إيران ببنوده، إلى تقويض الثقة المتبادلة. واعتُبر ذلك في طهران دليلًا على هشاشة التعهدات الأمريكية. ومنذ ذلك الحين، اتخذت إيران خطوات لتعزيز قدراتها الردعية، فيما فسّرتها واشنطن وتل أبيب باعتبارها تهديدًا مباشرًا. وهكذا تشكّلت حلقة مفرغة من الشكوك المتبادلة.

خامسًا: تصاعد المعضلة الأمنية

ما نشهده اليوم هو تجسيد كلاسيكي لما يُعرف في نظرية العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية». فكل إجراء دفاعي من طرف يُنظر إليه كتهديد من الطرف الآخر، فيؤدي إلى ردّ مضاد يزيد من حدة التوتر. الضربات التي بدأت في 2 مارس قُدِّمت باعتبارها إجراءً ردعيًا، لكنها أدّت عمليًا إلى توسيع دائرة المواجهة. وردود إيران بدورها عمّقت الشعور بالخطر لدى خصومها.

دول الخليج تجد نفسها في قلب هذه المعضلة؛ فهي بين التزاماتها الأمنية تجاه الولايات المتحدة ومخاوفها من أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع. وأي اضطراب في إمدادات الطاقة أو طرق الملاحة سيؤثر ليس فقط على اقتصادات المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.

إن الحرب الراهنة ليست نتيجة خلاف عابر، بل حصيلة تراكُم إخفاقات مؤسسية وسياسات أحادية وتدخلات مدفوعة بضغوط جماعات نفوذ. وكما دفعت العراق ثمن أخطاء عام 2003، فإن المنطقة اليوم مهدّدة بتكرار المأساة في نطاق أوسع.

إن الخروج من هذا النفق يتطلّب إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية، وتعزيز الدبلوماسية المتكافئة، والحدّ من تأثير اللوبيات غير العقلانية التي تؤجّج الصراعات. فالاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر تغيير الأنظمة أو فرض الإرادات بالقوة، بل عبر مفاوضات عادلة تحترم سيادة الدول وتعيد بناء الثقة المفقودة. ومن دون ذلك، ستبقى المعضلة الأمنية في الشرق الأوسط تتفاقم، وسيظلّ شبح الحرب يخيّم على أجيال قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *