يُقدم هذا التحليل تعميقًا استراتيجيًا للمواجهة الإقليمية الراهنة، مُركزًا على ثلاثة عناصر محورية ضمن منطق “الحرب الممتدة” (protracted conflict) التي تُشكل ديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط.
1 – صمود إيران: من “القدرة على الاحتمال” إلى “القدرة على الرد” تُظهر العقيدة العسكرية الإيرانية تحولًا جوهريًا من استراتيجية “الصمود” إلى استراتيجية “الرد الشامل المتزامن”. لم تعد إيران تسعى فقط لإثبات “عدم هزيمتها”، بل تهدف إلى فرض تكلفة غير مقبولة على أي مهاجم محتمل. يمكن تتبع هذا التحول عبر المراحل التالية :
المرحلة الاستراتيجية الأساسية المؤشرات الحالية
(1980-1988 الحرب العراقية)
الدفاع المستميت والاستنزاف مفهوم
“الجبهة الداخلية” كركيزة للصمود
( 2019-2024 الضغوط الأمريكية )
الصبر الاستراتيجي والضربات الانتقائية
اغتيال قاسم سليماني، الضربات الإسرائيلية في سوريا
الآن 2025
الرد الشامل المتزامن
الضربات الباليستية، الهجمات البحرية، تفعيل المحاور
تُشير مؤشرات الصمود الفعلية إلى تراجع نسبي في حدة الاحتجاجات الاقتصادية الداخلية في مواجهة التهديد الخارجي، مما يعكس تأثير “الحرب الوطنية” على التماسك الاجتماعي. عسكريًا، تُجبر الصواريخ الباليستية الإيرانية، حتى لو كانت تفتقر إلى الدقة الفائقة، إسرائيل على إنفاق موارد ضخمة على أنظمة الدفاع الجوي. كما تُوفر مناطق الامتداد في العراق وسوريا ولبنان واليمن عمقًا استراتيجيًا يُبعد المعركة عن العمق الإيراني.
2 .الاستنزاف: الحرب الاقتصادية-النفسية
تعتمد استراتيجية الاستنزاف الإيرانية على جعل “الانتصار” العسكري غير مجدٍ اقتصاديًا للخصم.
يُمكن ملاحظة هذا الاستنزاف على مستويين :
الاستنزاف الإسرائيلي :
يُؤدي استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط إلى شلل اقتصادي جزئي وتوتر اجتماعي. كما تُكلف الحرب إسرائيل مئات الملايين يوميًا، مما يُرهق ميزانيتها. سياسيًا، يُطيل الاستنزاف أمد الحرب ويُضعف موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو داخليًا، الذي يسعى لتحقيق “نصر سريع”
الاستنزاف الأمريكي:
يُشكل وجود حاملات الطائرات الأمريكية في الخليج تكلفة تشغيلية هائلة، بالإضافة إلى خطر الاستهداف المستمر. كما أن التورط في حرب ثالثة في المنطقة، بعد تجربتي أفغانستان والعراق، يُعد عبئًا على المصالح الأمريكية الأساسية التي تُركز على مواجهة الصين.
إذا استمر التصعيد لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، فمن المتوقع أن تدخل إسرائيل في ركود اقتصادي حاد، مع هروب الاستثمارات وتوقف السياحة. أما الولايات المتحدة، فستواجه ضغوطًا داخلية متزايدة، خاصة مع اقتراب انتخابات الكونغرس، وسخطًا شعبيًا على “حرب أخرى في الشرق الأوسط”
3 .الدعم الروسي-الصيني: من “الصمود” إلى “المنع”
شهد الموقف الروسي-الصيني تحولًا استراتيجيًا من “التسامح” مع الضغط على إيران إلى “منع سقوطها“. يُعزى هذا التحول إلى المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تترتب على انهيار النظام الإيراني بالنسبة لكلتا الدولتين:
بالنسبة لروسيا
بالنسبة للصين
خسارة حليف استراتيجي في سوريا والقوقاز
خسارة ممر “الحزام والطريق” (باكستان-إيران)
تقدم الناتو/الغرب إلى حدودها الجنوبية
تهديد إمدادات النفط (35% من واردات الصين عبر هرمز)
إضعاف “محور المقاومة” الذي يُشتت أمريكا
سابقة “تغيير النظام” تُهدد مصالحها (تايوان، بحر الصين)
تتخذ أشكال الدعم الروسي-الصيني أبعادًا غير معلنة، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية والرادارات، وتزويد إيران بتقنيات صاروخية متطورة (ربما عبر واجهات مثل كوريا الشمالية). اقتصاديًا، يتم شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة وتزويد إيران بالسلع الأساسية تحت الحصار. دبلوماسيًا، يُمارس الدعم من خلال التصويت في مجلس الأمن، واستضافة المفاوضات، والتلويح بـ”ردود غير متناسبة” في حال تجاوز الضربات حدودًا معينة.
السيناريو الأرجح: “حرب مجمدة (Frozen War) “
بناءً على العناصر الثلاثة المذكورة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس النصر العسكري الحاسم لأي طرف، ولا الحرب الشاملة، بل “تجميد الصراع” على حدود جديدة. يمكن تصور هذا المسار على النحو التالي:
الوضع الراهن → التصعيد المحدود → “التجميد”
(ضربات متبادلة) (استنزاف 3-6 أشهر) (وقف إطلاق نار غير مستقر)
تتضمن شروط “التجميد” المحتملة:
إيران: الاحتفاظ ببرنامج الصواريخ الباليستية والتخصيب كـ”ورقة ضغط”
إسرائيل: الاعتراف الضمني بـ”النفوذ الإيراني” في سوريا والعراق مقابل وقف الهجمات
أمريكا: تخفيف العقوبات مقابل “تجميد” التخصيب (وليس إلغاء البرنامج النووي).
روسيا-الصين: ضمانات بعدم استخدام إيران للسلاح النووي، مقابل عدم تغيير النظام.
الخلاصة يُشير هذا التحليل إلى أن الصراع الراهن ليس عسكريًا بحتًا، بل هو صراع جيوسياسي-اقتصادي-نفسي متعدد الأبعاد. تُراهن إيران على أن “الوقت” حليفها من خلال استراتيجية الاستنزاف، وأن “التحالفات” الدولية تتغير لصالحها (مع روسيا والصين)، وأن “الصمود” يُمكن أن يُحوّل الهزيمة العسكرية المحتملة إلى انتصار استراتيجي طويل الأمد
يبقى السؤال الحاسم: هل يمتلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “الصبر” اللازم لتحمل استراتيجية الاستنزاف؟ أم أن “غروره التاريخي” و”مأزقه القضائي” سيدفعانه نحو “ضربة جريئة” تُخرج جميع الأطراف من منطق الاستنزاف إلى منطق “الكل أو لا شيء”، مما يُهدد بتصعيد غير محسوب في المنطقة؟


