عودة إلى همجية جديدة: كيف ينذر عهد ترامب بولادة عصور مظلمة بتقنيات متطورة

عودة إلى همجية جديدة كيف ينذر عهد ترامب بولادة عصور مظلمة بتقنيات متطورة
ينتقد النص تقويض مبادئ القانون الدولي وتآكل النظام متعدد الأطراف، محذّراً من عودة منطق القوة في العلاقات الدولية بغطاء تكنولوجي متقدم يجعل الحروب أشد شمولاً ودماراً، ويغري فاعلين آخرين بتقليد نموذج الإفلات من المحاسبة....

عندما يُمعن رئيس أقوى دولة في العالم في الانتهاك المتكرر لأبسط وأقدس قواعد القانون الدولي متعاملاً مع المواثيق والأعراف كما لو كانت أوهامًا بالية تعيق شهية الإمبراطورية فإنه لا يقوض فقط نظامًا عالميًا هشًا بل يفتح الباب على مصراعيه لعودة وحشية العلاقات الدولية ولكن هذه المرة بملامح مستقبلية مرعبة فهذا الانتكاس السياسي لا يحدث في زمن السيوف والدروع بل في زمن الطائرات المسيرة والأسلحة الذكية والحروب السيبرانية  مما يعني أن الألم الجماعي القادم قد يتجاوز بكثير وحشية العصور الوسطى التي عانى منها البشر لقرون.

كانت صراعات العصور الوسطى رغم قسوتها محدودة النطاق والتأثير محكومة ببطء التواصل وبدائية أدوات العنف وكان بوسع القرى والمدن أن تتعايش مع ويلات الحرب أحيانًا بفضل محدودية قدرة الغزاة على الوصول والانتشار.

أما اليوم وبينما يتجاهل ترامب مبادئ حماية المدنيين ويخرق اتفاقيات جنيف وينسف المعاهدات البيئية والتجارية التي شكلت العمود الفقري للنظام متعدد الأطراف بعد الحرب العالمية الثانية فإنه يقدم للعالم نموذجًا عمليًا مفاده أن القوة تصنع الحق وهذا النموذج سيجد حتمًا مقلدين في كل بقاع الأرض من الأنظمة الشمولية إلى الجماعات الإرهابية بل وحتى ضمن أطراف النزاعات الإقليمية المكبوتة.

ستتحرر هذه الأطراف من الخوف من العقاب الدولي أو الوصم الأخلاقي وستمضي في تحقيق مصالحها بأكثر الطرق وحشية متاحة مستعينة بثورة التكنولوجيا التي تجعل من العنف عملية دقيقة وغير مسبوقة في قدرتها على التدمير الشامل والانتشار الخاطف.

ستتحول الحروب من مواجهات محدودة على أرض المعركة إلى كوابيس شاملة تطال البنى التحتية المدنية وشبكات المياه والغذاء والأنظمة المصرفية مستهدفة حياة البشر اليومية بطرق لم تكن ممكنة في العصور المظلمة الأولى حيث كان الفارس يخاف الله قبل أن يخاف القانون وحيث كانت الكنيسة تشكل أحيانًا حائط صد أمام همجية الأمراء.

المأساة الكبرى إذن ليست في أن ترامب أعادنا إلى العصور الوسطى بل في أنه يبني لنا عصورًا وسطى جديدة ولكن ببنية تحتية تكنولوجية تجعل من التعذيب والمعاناة تجربة شاملة وفورية وشخصية حيث يمكن تتبع كل ضحية وتعذيبها عن بعد وتدمير حياتها بضغطة زر دون أن يرى الجاني بعينيه دمعة طفل أو يسمع صرخة امرأة وهذه اللامبالاة المعززة بالتكنولوجيا هي وحشية العصر القادم حيث يغيب القانون وتصمت الضمائر ويحل منطق الغاب محل منطق العالم المتحضر ولكن بذئاب مسلحة بأجنحة طائرات بدون طيار وعيون أقمار صناعية لا تغفل ولا ترحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *