الحرب الموسعة: تحليل المشهد العسكري والدولي في الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران

الحرب الموسعة تحليل المشهد العسكري والدولي في الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران
يرى التحليل أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران يفتتح مرحلة صراع معقدة بلا إجماع دولي، حيث تراهن القوة الجوية على الحسم السريع بينما تسعى طهران لتحويل المواجهة إلى استنزاف طويل يحدد مآلاته ميزان الصمود والإمداد....

في الساعات الأولى من اليوم 28 شباط 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة كلياً من الصراع بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً مشتركاً واسع النطاق ضد إيران في عملية وصفت بالضخمة والمستمرة. هذا التدخل الذي يحمل بصمات واضحة لعقيدة عسكرية تستند إلى فرض السيادة الجوية الكاملة واستخدام القصف بعيد المدى يثير تساؤلات جوهرية حول إمكانية تكرار سيناريو حرب الخليج الأولى (1991) التي قادتها واشنطن بتحالف من 33 دولة. غير أن المعطيات الأولية تشير إلى أن المشهد هذه المرة أكثر تعقيداً سواء على الصعيد العسكري أو السياسي مع غياب واضح لإجماع دولي شبيه بحلف 1991 وترقب حذر من حلف الناتو الذي يبدو غير مستعد للانخراط المباشر.
*طبيعة الحملة العسكرية: صواريخ توماهوك وسياسة الأرض المحروقة
منذ اللحظات الأولى للعملية التي أطلق عليها اسم “Epic Fury” (الغضب الملحمي )من الجانب الأمريكي و”Roaring Lion” (زئير الاسد )إسرائيلياً اعتمدت استراتيجية التحالف على توجيه ضربة قاسية وشاملة للبنية التحتية العسكرية الإيرانية وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحملة “ضخمة ومستمرة” متوعداً بـ”تدمير قدرات إيران الصاروخية وطمس صناعتها الدفاعية بالأرض” . وقد تجلى هذا التوجه بوضوح من خلال استخدام صواريخ “توماهوك” (Tomahawk) المجنحة التي أطلقتها البحرية الأمريكية بكثافة من مدمراتها وغواصاتها المنتشرة في مياه الخليج لاستهداف منشآت نووية وعسكرية في طهران وأصفهان وشيراز .
هذا الاعتماد المكثف على صواريخ كروز بعيدة المدى إلى جانب استخدام القاذفات الشبحية من نوع F-35I “أدير” وطائرات F-15I “راعم” يعكس رغبة واضحة في تكرار سيناريو “صدمة ورعب” على غرار حرب الخليج حيث تم ضرب العراق من الجو لأكثر من شهر قبل أي تدخل بري. الفارق الجوهري هنا هو أن إيران لم تبقَ مكتوفة الأيدي فقد ردت فوراً بوابل من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة (شاهد) استهدفت قواعد أمريكية حيوية في قطر والكويت والبحرين والإمارات ، هذا الرد يثبت أن طهران تمتلك أوراق ضغط وقدرة على إيصال الألم لقوات التحالف مما قد يطيل أمد المعركة ويحولها إلى حرب استنزاف بدلاً من النصر الحاسم السريع الذي تتحدث عنه واشنطن.
الموقف الدولي: عزلة نسبية وغياب حلف الناتو
على عكس حرب الخليج الأولى التي حظيت فيها الولايات المتحدة بتأييد دولي واسع وتحالف ضخم يضم دولاً عربية وأوروبية يبدو المشهد الجيوسياسي الحالي أكثر برودة. فحتى الآن لا توجد مؤشرات على انخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العمليات الهجومية. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيان مشترك عدم مشاركتها في الضربات مكتفية بـ”إدانة الهجمات الإيرانية” والدعوة لضبط النفس .
الموقف البريطاني كان لافتاً بشكل خاص حيث رفض رئيس الوزراء”كيرستارمر”السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة دييغو غارسيا الجوية في المحيط الهندي لشن غاراتها مما أثار حفيظة الرئيس ترامب الذي وصف القيادات الأوروبية بـ”الضعيفة” . هذا يشير إلى شرخ واضح في العلاقة الاطلسية ويعيد إلى الأذهان التوترات الأوروبية-الأمريكية بشأن التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط.
أما الناتو فاكتفى بوضع قواته في حالة تأهب قصوى وتفعيل أنظمة الدفاع الصاروخي في رومانيا وبولندا وتركيا تحسباً لأي رد إيراني محتمل يمتد إلى أوروبا . هذا يعني أن دور الحلف في الوقت الراهن دفاعي بحت ويقتصر على حماية أراضي أعضائه وليس المشاركة في ضرب إيران. وبالتالي فإن فكرة تحالف دولي شبيه بحرب الخليج تبدو مستبعدة حالياً في ظل تردد الحلفاء الأوروبيين وخشيتهم من توسع رقعة الحرب.
القدرات العسكرية: صراع الطائرات الشبحية ضد صواريخ الباليستية
المشهد العسكري الدائر يعكس وجهاً متطوراً للحرب الحديثة. فمن جهة يعتمد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على التفوق التكنولوجي طائرات الشبح F-35 التي تخترق الدفاعات الجوية وقنوات خارقة للتحصينات (Bunker Busters) من نوع GBU-28 التي تستهدف المنشآت النووية تحت الأرض وصواريخ “دليلة” (Delilah) القادرة على المناورة والانتظار قبل الالتحام بالهدف . هذه الترسانة تهدف إلى شل قدرة إيران على الرد بسرعة.
في المقابل تعتمد إيران على استراتيجية “الردع غير المتماثل” من خلال ترسانتها الصاروخية الواسعة (شهاب 3، عماد، قدر) التي تمكنها من ضرب القواعد الأمريكية في عمق الخليج بالإضافة إلى استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية “شاهد” لإرباك أنظمة الدفاع الجوي المتطورة مثل “باتريوت” . هذا يعني أن فرض السيطرة الجوية الكاملة والشاملة كما حدث فوق العراق عام 1991، قد يكون أصعب هذه المرة لأن العدو لا يعتمد على سلاح جو تقليدي يمكن تدميره في أيام بل على قوة صاروخية منتشرة ومتحركة يصعب القضاء عليها بالكامل من الجو. > فاضلی ب: خلاصة التحليل : هل نحن أمام حرب الخليج الثالثة؟
ما يجري حالياً يحمل تشابهاً تكتيكياً مع حرب الخليج الأولى (عاصفة الصحراء) من حيث كثافة القصف الجوي واستخدام صواريخ توماهوك وأيضاً مع حرب الخليج الثانية (غزو العراق 2003) من حيث هدف “تغيير النظام” الذي لوّح به ترامب عندما دعا المعارضة الإيرانية لاستلام السلطة . لكن الفروق جوهرية التحالف الدولي هذه المرة شبه غائب والخصم (إيران) أكبر مساحة وأكثر تعقيداً عسكرياً وسكانياً من العراق ويمتلك قدرة على الرد المباشر على حلفاء أمريكا في الخليج.
إذا استمرت الضربات الجوية لأسابيع كما توعد ترامب فإن المنطقة ستشهد حرب استنزاف طويلة تختبر فيها قدرة إيران على الصمود مقابل قدرة التحالف على الحفاظ على إمداداته واستمرارية قواعده في المنطقة تحت وابل من الصواريخ. وفي هذه المعادلة يبقى السؤال الأكبر ،هل تنجح القوة الجوية وحدها من دون تحالف دولي حقيقي ودون غطاء سياسي كامل في إخضاع طهران كما أخضعت بغداد قبل 35 عاماً؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *