هرمز: المقبرة التي ابتلعت وهم الهيمنة الاميركية

هرمز المقبرة التي ابتلعت وهم الهيمنة الاميركية
أثبتت إيران قدرتها على تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ردع استراتيجية أضعفت سياسة الضغوط الأمريكية، وفرضت توازناً إقليمياً جديداً جعل كلفة المواجهة مرتفعة، في ظل تراجع النفوذ الأمريكي وتصاعد الدور الإيراني في الخليج...

في مشهد جيوسياسي يتكشف أمام العالم يتجرع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارة الهزيمة الاستراتيجية في مياه الخليج حيث أثبتت إيران مجدداً أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل ساحة حاسمة كسرت شوكة سياسة الضغوط القصوى التي لا يزال يتبناها.

فبعد سنوات من التهديدات والعقوبات التي أعاد فرضها بعد انسحابه من الاتفاق النووي يجد ترامب نفسه اليوم أمام واقع مختلف تماماً إيران لا تزال متماسكة بل إن قبضتها على أضيق شرايين النفط في العالم ازدادت إحكاماً.

لم تكتف طهران بتطوير قدراتها الصاروخية والبحرية بل أقامت منظومة دفاعية متكاملة حول المضيق محولة إياه إلى منطقة شبه محظورة على القوات البحرية الأمريكية التي تتراجع بحذر تحت وطأة الردع الإيراني.

لقد أدرك ترامب ربما متأخراً أن وعوده بإخضاع إيران عبر العقوبات الاقتصادية كانت مجرد أوهام وأن مياه الخليج باتت تحت النفوذ السياسي والعسكري الإيراني بشكل لم يسبق له مثيل.

فالقوات الإيرانية انتقلت من موقع الدفاع إلى الردع الميداني مستفيدة من الجغرافيا الصعبة والممرات الضيقة التي تحول أي مواجهة بحرية إلى مغامرة غير محسوبة والأكثر إيلاماً لإدارة ترامب أنها تشاهد يومياً كيف تحولت جزرها الوطنية في مياه الخليج إلى قواعد عسكرية إيرانية متطورة وكيف أصبحت الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري تمسك بخناق ناقلات النفط المتجهة عبر مضيق هرمز دون أن تجرؤ واشنطن على اتخاذ خطوة حقيقية سوى التهديد اللفظي وفرض عقوبات إضافية أثبتت مراراً فشلها الذريع.

إن الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته إيران في هرمز يمثل تحولاً جذرياً في ميزان القوى الإقليمي حيث أفل نجم الهيمنة الأمريكية التي طالما استخدمت أسطولها الخامس لترويع الدول لتحل محلها إيران التي أتقنت فن إدارة الأزمات والتفاوض من موقع قوة.

ولعل الأخطر في التحول القائم أن العالم بدأ يعيد قراءة معادلة الطاقة الدولية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية، فكل اضطراب في مضيق هرمز لم يعد يُنظر إليه كأزمة أمنية عابرة بل كاختبار حقيقي لقدرة واشنطن على حماية التوازن الاقتصادي العالمي. وفي المقابل نجحت إيران في توظيف موقعها الجغرافي كأداة ردع استراتيجية، فارضةً معادلة جديدة تجعل كلفة المواجهة أعلى بكثير من كلفة التفاهم السياسي. وهذا التحول لا يعكس مجرد تفوق عسكري موضعي، بل يشير إلى بداية مرحلة إقليمية تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية تدريجياً لصالح توازنات أكثر تعقيداً وتشابكاً.

واليوم بينما يواصل ترامب ولايته محملاً بإخفاقات كبيرة في الملف الخليجي تبقى حقيقة لا جدال فيها أن مياه الخليج لم تعد بحيرة أمريكية بل ساحة نفوذ إيراني وأن مضيق هرمز تحول من أداة تهديد أمريكية إلى درع إيراني يحمي مصالح طهران ويردع أعداءها تاركاً ترامب وإدارته يتجرعون الهزيمة التي رسموها بأيديهم على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *