تعثر التواصل وتصلب الموقف الأمريكي
يبدو أن جهود التواصل والتداول مع الجانب الأمريكي، بشأن ملف تكليف مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة القادمة، لم تفضِ إلى نتائج إيجابية تُذكر. فقد تبلور الموقف الأمريكي الرافض لتولي السيد المالكي للمنصب عبر قنواتٍ شتى، وبلهجةٍ تجاوزت سقف الدبلوماسية إلى حدّ الترهيب، والوعيد بتوسيع مديات العقوبات الاقتصادية لتطال قطاعاتٍ حيوية في الدولة، لا مجرد شخوص أو كيانات سياسية بعينها.
محاولة احتواء الانفعال وتغليب المصالح العليا
وبات جلياً وجود توجه لدى معظم قادة الإطار التنسيقي لاحتواء الانفعال الأمريكي وكبح جماح التوتر، عبر إعادة ضبط إيقاع العلاقة مع واشنطن فيما يخص رئاسة الحكومة؛ انحيازاً لمصالح عليا لا تحتمل مغامرةً غير محسوبة العواقب، قد تُكلف العراق وتجربة الإطار في إدارة الدولة ثمناً باهظاً.
التفاعل المشروط وضمانات السيادة
إن التفاعل الإيجابي مع الضغط الأمريكي يستوجب، في المقابل، انتزاع ضمانات مركزية، وتحقيق تفاهمات ترفد مسار السيادة الوطنية والمنجز الحكومي (أمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً) وفق مبادئ “اتفاقية الإطار الاستراتيجي”؛ وإلا فإننا سنكون أمام انكسار سياسي غير مسبوق، وهو ما يرفضه قادة الإطار بالإجماع، لما له من ارتدادات مستقبلية زلزالية.
رابعاً: معادلة التوازن بين التفاهم والإذعان
يسعى قادة الإطار اليوم إلى فرض “معادلة التوازن”؛ تفاهمٌ لا إذعان، وتسويةٌ لا استسلام، في التعامل مع الإرادة الأمريكية الشاخصة، على الضد مما تحاول واشنطن تسويقه كـ “إنجازٍ واقتدار” ونفوذٍ مطلق على القرار السيادي العراقي، والقرار الشيعي على وجه الخصوص.
شروط التسوية وحماية التمثيل السياسي
ولابد لهذه التسوية المحتملة أن تكفل كفّ اليد الأمريكية عن التلويح المستمر بالضغط الجائر تجاه المشهد السياسي، لا سيما في ملف المناصب السيادية والعلاقات الخارجية، وأن تحفظ لدولة القانون دورها كفصيل سياسي وشريك مؤثر، انطلاقاً من ثقله النيابي وقاعدته الشعبية، بعيداً عن سياسات التهميش أو التحجيم الممنهج.
الاستراتيجية التشريعية في واشنطن وبناء السردية
في واشنطن، تتبنى مجموعة نافذة من المشرعين والسياسيين استراتيجية تقوم على صياغة أطر قانونية ومشاريع قرارات عقابية تستهدف البنية الهيكلية للاقتصاد والسياسة في الدولة العراقية، من خلال صياغة سردية (Narrative) تظهر الدولة العراقية ككيان “مختطف”، مما يسهل قبول الرأي العام الأمريكي والدولي لأي إجراءات اقتصادية قاسية قد تطال البنية التحتية للدولة.
يسعى هذا التيار إلى إيجاد مسوغات تشريعية لفرض إجراءات تقييدية واسعة النطاق، تُصنف أحياناً كأدوات ضغط جماعية، بذريعة مكافحة الفساد أو تحجيم النفوذ الإقليمي. ويتصدر هذا التوجه عدد من الشخصيات البارزة في الكونغرس والإدارة الأمريكية، الذين لا يعملون بشكل عشوائي، بل ضمن منظومة متناغمة تهدف إلى “تأطير” العراق كساحة صراع دائمة، مما يمنح الشرعية لاستمرار سياسات الاستنزاف والضغط الاقتصادي والسياسي تحت لافتة “الإصلاح والمحاسبة”.
إن تعثر الإطار في صياغة تفاهمٍ يضمن المصالح السيادية، سيجعلنا أمام تجربة سياسية قلقة وأداء حكومي مضطرب، بمعزل عن هوية رئيس الوزراء القادم؛ كما أن هذا التعثر سيفتح شهية واشنطن للتدخل في التفاصيل السياسية الدقيقة، لا الحكومية فحسب.

