تشهد العلاقة العراقية-الأمريكية منعطفاً حاداً مع عودة نوري المالكي إلى صدارة المشهد، وهي عودة لم تحمل معها حقيبة “الصفقات” السياسية فحسب، بل حُمّلت بأثقال الخصومات الشخصية والحسابات العميقة. وفي قلب هذا المشهد، يبرز موقف ترامب المتصلب تجاه المالكي، وهو موقف لا يمكن فهمه بمعزل عن “عقدة بايدن” التي تسيطر على توجهات الإدارة الحالية.
– إرث بايدن: الخطيئة التي لا يغفرها ترامب
يعود العداء الترامبي للمالكي إلى جذور علاقة الأخير بـ “الخصم اللدود” جو بايدن. ففي واشنطن، لا يزال يُنظر إلى بايدن (نائب الرئيس حينها) على أنه المهندس الرئيسي لتجديد الولاية الثانية للمالكي، وهي الولاية التي يعتبرها فريق ترامب حجر الزاوية في الأزمات اللاحقة. بايدن نفسه، في كتابه “عدني يا أبي”، لم يخفِ حجم الانخراط الشخصي، حيث أحصى الكاتب ديكستر فيلكينز أكثر من 60 مكالمة هاتفية بين الرجلين. هذا الرابط الوثيق جعل من المالكي في نظر فريق ترامب جزءاً من تركة بايدن التي يجب تفكيكها، كجزء من استراتيجية شاملة لتصفية كل ما له صلة بالديمقراطيين، سواء داخل أمريكا أو في حلفائها الخارجيين.
– من “الضغط الناعم” إلى “الفرض المباشر”
لسنوات طويلة، اعتمدت واشنطن في بغداد على مدرسة “الدبلوماسية الهادئة” أو الضغط الناعم، عبر أدوات محترفة مثل بريت ماكغورك وآلينا رومانوسكي. نجحت هذه المدرسة في الحفاظ على حد أدنى من المصالح الأمريكية حتى مع أكثر القوى السياسية تشدداً. إلا أن ترامب، وبمنشور واحد، كسر قواعد هذه اللعبة، منتقلاً بالدبلوماسية من مستوى “الضغط والمناورة” إلى مستوى “الفرض القسري”.هذا التحول المفاجئ أحدث حالة من الإرباك في أروقة الخارجية الأمريكية، التي تجد نفسها اليوم مضطرة لتدارك ارتدادات هذا الأسلوب التصادمي. فبينما تحاول السفارة في بغداد احتواء الغضب وفتح قنوات التهدئة، يمنح أسلوب ترامب فرصة ذهبية لخصوم واشنطن للتصعيد تحت لافتة “السيادة”، مما يهدد بانهيار جسور التواصل التي بُنيت على مدى عقد ونصف.
– أزمة الأداء: سافايا في مواجهة “ديناميكية” باراك
في خضم هذا الاضطراب، تبرز إشكالية “الأدوات التنفيذية”. فبعد شهرين من تكليفه كمبعوث رئاسي خاص، يبدو سجل مارك سافايا خالياً من أي إنجاز يُذكر؛ فلا زيارات رسمية مؤثرة، ولا اتصالات توازي حجم التحدي. تكمن مشكلة سافايا في عدم استيعابه لروح “المدرسة الترامبية” التي تقدس الإنجاز السريع والملموس.
وعلى نقيض سافايا تماماً، يبرز توم باراك كنموذج للمبعوث الناجح، حيث يقود حراكاً مكوكياً ومؤثراً بين أنقرة ودمشق وبيروت، وصولاً إلى بغداد وأربيل، مجمعاً بين صفة السفير الرسمي والمبعوث الرئاسي بمرونة عالية. إن الفجوة بين “جمود” سافايا و”ديناميكية” باراك وضعت الإدارة الأمريكية في مأزق، إذ أن ترامب الذي يبحث عن “الاستحواذ ثم الإنجاز” لن يصبر طويلاً على وقت ضائع يهدره مبعوث لم يقرأ المشهد العراقي بدقة.
– الخاتمة: ضرورة إعادة ضبط الإيقاع
إن استمرار الارتباك الحالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. ولعل الخطوة الأولى في مسار “إعادة الضبط” هي إبعاد سافايا عن المشهد، واستبداله بعنصر يمتلك القدرة على احتواء ارتدادات منشورات ترامب وتحويلها إلى مسارات سياسية قابلة للتفاوض، بدلاً من تركها كوقود للتصعيد. العراق اليوم يحتاج إلى “إيقاع منضبط” يوازن بين رغبات واشنطن في الفرض، وواقعية بغداد السياسية ومصالحها السيادية.

