في كل زمكان حينما يفتح السياسي مولا او شركة او فندقا او مجمعا سكنيا … يقولوا له : بالتوفيق والله يزيد خيرك ويعلي مقامك .. اما المواطن المتغلغل في التوطين اذا ما اشترى ( ديكا ) ، يقولوا له : ( من اين لك هذا ) !
زرت احدى المدن المقدسة واجبرت على ان اقضي نهارا كاملا خارج اطار الوقت المخصص لطقوس الزيارة وفقا لمقتضيات اصحاب ( الحملة ) اذ هم يحددون التوقيتات وشؤون اخرى .. وقد انزلونا بمكان بعيدا مشينا فيه تقريبا ثلاث كليو متر ما يعد صعب جدا على كبار السن والمرضى الذين يمثلون الغالبية العظمى من الحملة .. في وقت بدى المقام المخصص للزيارة قد استغلت المناطق المحيطة فيه بصورة تجارية واضحة لم تترك مترا واحدا لوجه الله .. كل شيء اعد ووجه لاستهداف جيوب الزائرين . لم اجد مكانا للجلوس داخل المقام المزدحم بالزوار دوما ، مما يتطلب مغادرة المكان بعد اداء الطقوس المخصصة .. وما ان تخرج امتارا عن اسوار الضريح .. فتتحول من زائر ديني الى زائر سياحي – بكل معنى الكملة – عليك ان تتمشى بالسوق الذي لا يوجد فيه متر واحد للراحة ( تاكل بفلوس تشرب بفلوس تشتري بفلوس تتصدق بفلوس مع تعدد انواع الصدقات وممتهنيها .. كل شيء معد للدفع حتى يفرغوا جيوبك .. علما ان الاسعار ليست ثابتة فكلما كانت المناسبة محتشدة تتصاعد الاسعار وتقل جودت الخدمات سيما الاكل والشرب الذي تكون فيه مجبرا ان تاكله وتشربه للتوقيتات المحددة سابقا من قبل قادة ( الحملة ) .
في بعض البلدان وجدت هناك تنظيم رائع للزائرين .. ينزل فيه ركاب الحملة بشكل قريب جدا من المكان المخصص للشعيرة ويصل فيها المؤمن بيسر واقل التكاليف لاداء مناسكه .. ثم هناك اماكان للاكل – طبعا ليس المجاني الذي لا اشجعه – بل اقصد حكومي او تعاوني مؤسسي وحتى الخاص شرط ان يكون ( نظيف مراقب من قبل الجهات المسؤولة باسعار مناسبة تحقق الاهداف المطلوبة وهي متعددة : خدمة الزائر .. توفير فرص عمل .. تحقيق مستوى تنافسي مقبول لتحسين الجودة اقتصاديا وصحيا وغذائيا ويعد حماية للامن الاجتماعي .. تحسين جمالية المكان ونظافته التي تسهم بتطوير البيئة عمرانيا مع تعزيز الهوية الثقافية سيما المقدسة منها ) .
قبل سنوات سمعت ان صديق عاد من اداء مناسك الحج .. والحج فرضية اسلامية مقدسة لكنها مكلفة للفقراء لاسباب شتى لست بصدد الخوض فيها كما ان المسلم الحق يسعى لتحقيقها في حياته عادا ايها من اهم الواجبات الشرعية المفروضة على المؤمن الذي يبقى مطلوبا لها حتى بعد مماته اذ يؤدي ورثته نيابة عنه .. لذا يضحي بالكثير من اجل اتمامها .. وقد ذهبت ابارك لصديقي توفيق الله له بذلك..
مع علمي ان صديقي فقير شبه معدم .. باركت له بجملة محفوظة لا تتبدل منذ القرن الهجري الاول : ( حج مبرور وعمل مقبول ان شاء الله ) .. وكنت اتصور ان احد السياسيين تحمل تكاليف حجه وزوجته – اي صديقي – لان الحج مكلف وصعب على اسرة ربها موظف بسيط وبيتهم ايجار .. فاجئني ان التكاليف بلغت حوالي ( شدة ) وبالعراق الجديد الشدة تعني ( عشرة الاف دولار ) .. وهو مبلغ خرافي عصي الجمع على اصحاب الدخل المحدود من سواد الامة . فرحت متسائلا لمن يا ترى وكيف صرف هذا المبلغ الضخم بعنوان الحج .. اجرة الطائرة للديار المقدسة ذهابا وايابا لا تكلف اكثر من الف دولار لشخصين .. وتكلفت اسبوعين فندق ليس اكثر من الف دولار لشخصين والف اخر للاكل والتنقل معا ..
بصورة عامة وهذا ما اردت ان اشير اليه … لا يمكن ان تبقى الحكومات اي كان نوعها واسمها وعنوانها – ان كانت مسؤولة عن المقدس وحريصة على صناعة المواطنة الصالحة – ترك الاماكن المقدسة تدار بطريقة تجارية بحتة ومادية خالية من ادنى مقومات التقديس .. كما ان مصطلح السياحة الدينية ينبغي ان يعاد وصفه وتدقيق الكثير من تفاصيله وعدم السماح لتغلغل المدنس حتى استغلال المقدس فان الاستغلال الديني اخطر وافتك انواع الاستغلال وان غفلت عنه الحكومات بسبب تعدد الملفات وضغط الاجندات . الا ان قدرة الله بلا حدود وهو اعرف بالسر والنجوى .. ومن اراد وجه الاله ليس كمن تشيطين بكل شيء فيه !


