مسلسل حمدية وخطورة الناصبية الوهابية والأموية

مسلسل حمدية وخطورة الناصبية الوهابية والأموية
يناقش النص الجدل حول مسلسل حمدية، مؤكداً أن الدراما ليست ترفيهاً محضاً بل أداة تشكيل وعي، ومحذراً من ‏ربط المآسي بهويات محددة، مع قراءة تربوية واجتماعية لأحداث العمل ودعوة لتحمّل الفن مسؤوليته الأخلاقية.‏...

في كل موسم رمضاني تتحول الدراما إلى ساحة تأثير ثقافي وفكري واسعة، لأنها تدخل إلى البيوت دون استئذان وتخاطب الوجدان قبل العقل. ولهذا فإن أي عمل درامي لا يكون مجرد قصة للترفيه، بل يحمل بالضرورة رؤية ورسائل قد تسهم في بناء الوعي أو في تشويهه. ومن هنا جاءت موجة الجدل التي أثيرت حول مسلسل حمدية، بوصفه عملاً أثار تساؤلات عميقة عن طبيعة الرسائل التي يريد إيصالها وطريقة تقديمه للواقع الاجتماعي العراقي.

إن المشكلة الأساسية التي يراها كثير من المتابعين لا تتعلق بالقصة بحد ذاتها، بل بطريقة صياغتها الدرامية التي توحي بربط المآسي الاجتماعية بهويات محددة، وكأن الانحرافات أو الجرائم نتاج بيئة أو انتماء معين، وهو طرح خطير لأن الفن حين يتحول إلى أداة تصنيف اجتماعي أو طائفي فإنه يبتعد عن دوره الإنساني ويتحول إلى وسيلة توجيه نفسي غير مباشر.

القصة، كما يتم تداولها، تقدم شخصية رجل إيراني باسم مهدي العجمي ضمن سياق مأساوي، لكن القراءة الأخرى للأحداث يمكن أن تكشف زاوية مختلفة تماماً؛ فبدلاً من تصويره كمصدر للأزمة، يمكن فهمه كشخصية وقعت ضحية ظروف قاهرة وصراعات سياسية واجتماعية أكبر من الأفراد أنفسهم، حيث تشير بعض القراءات إلى أن التفكك الذي أصاب العائلة لم يكن نتيجة خيانة شخصية بقدر ما كان نتيجة بيئة مضطربة وظروف قسرية واختطاف وتشتيت فرضته مراحل قاسية مر بها المجتمع.

ومن النقاط التي تكشفها الأحداث — ولو بصورة غير مباشرة — أن اختطاف المرأة وأطفالها لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل عملية مقنّعة حاولت إخفاء حقيقتها خلف مظاهر اجتماعية ظاهرها الحماية وباطنها السيطرة الفكرية. فمع مرور الزمن تبدأ نتائج التربية السلبية بالظهور تدريجياً، لتفضح حقيقة ما جرى؛ إذ إن السلوك المنحرف للأبناء لا يولد فجأة، بل يعكس البيئة التي نشأوا فيها، والقيم التي زُرعت في وعيهم منذ الطفولة.

فحين ينشأ الطفل في بيئة تقوم على القطيعة مع جذوره، وتشويه صورة أحد الوالدين، وبث مشاعر الكراهية أو الانتقام، فإن ذلك يخلق اضطراباً نفسياً وفكرياً عميقاً. ومع الزمن تتحول هذه الاضطرابات إلى انحرافات سلوكية أو فكرية تكشف أن ما جرى لم يكن تربية طبيعية، بل إعادة تشكيل قسري للهوية. وهنا يصبح نتاج الأبناء دليلاً غير مباشر على أن الاختطاف لم يكن جسدياً فقط، بل فكرياً وثقافياً أيضاً.

إن انحراف الأبناء في أي مجتمع لا يولد من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات تربوية وفكرية واجتماعية. فعندما تُختطف المجتمعات من قبل أفكار متشددة أو قراءات إقصائية، يصبح الجيل الجديد أول الضحايا. إن التطرف لا يصنع إنساناً متوازناً، بل ينتج شخصيات مأزومة تبحث عن الهوية في مسارات عنيفة أو مضطربة، وهو ما شهدته مجتمعات كثيرة مرت بسنوات الصراع والفوضى.

واللافت أن العمل الدرامي، رغم ما يُؤخذ عليه من طريقة الطرح، قد كشف بصورة غير مباشرة حقيقة مهمة: أن التربية القائمة على الإلغاء وتشويه الآخر تحمل في داخلها بذور فشلها، لأنها عاجلاً أو آجلاً تُظهر نتائجها في سلوك الأبناء، فتتحول هذه النتائج إلى شهادة صامتة تفضح الأساس الذي قامت عليه تلك التربية.

أما صورة المرأة العراقية في هذه القصة، فهي نقطة حساسة للغاية، لأن المرأة في الوعي الاجتماعي ليست مجرد شخصية درامية بل رمز للكرامة والاستمرار. ولذلك فإن تقديمها ضمن سياق صراع فكري أو اجتماعي يجب أن يُقرأ أيضاً بوصفه انعكاساً لمعاناة حقيقية عاشتها عائلات كثيرة تعرضت للتفكك والضغط ومحاولات تغيير الهوية خلال فترات الاضطراب.

إن التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أثبتت أن كثيراً من العائلات تعرضت فعلاً للتشتيت والاختطاف الفكري والاجتماعي، وأن الضحية لم تكن فئة بعينها بل المجتمع كله. ولذلك فإن أي عمل فني يتناول هذه الجراح يحتاج إلى وعي إنساني عميق، لأن الدراما حين تقترب من الألم الحقيقي تصبح مسؤولة عن طريقة تقديمه.

في النهاية، قد يكون الجدل الذي أثاره مسلسل حمدية دليلاً على أمر إيجابي واحد، وهو أن الجمهور أصبح أكثر وعياً برسائل الإعلام وأكثر قدرة على قراءة ما وراء الصورة. فالفن الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج الذي يخلقه، بل بقدرته على كشف الحقيقة الإنسانية، حيث إن نتائج التربية المنحرفة نفسها تصبح مع مرور الزمن شاهداً يفضح كل محاولة لطمس الهوية أو إعادة تشكيلها قسراً.

ويبقى السؤال الأهم: هل تريد الدراما أن تكون مرآة تعالج الجراح، أم أداة تعيد فتحها؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد قيمة أي عمل فني في ذاكرة المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *