قراءة وتأويل لقصيدة ( خذ بيدي) للشاعر عادل قاسم رياض عبدالواحد الجزء الثالث والرابع

قراءة وتأويل لقصيدة ( خذ بيدي) للشاعر عادل قاسم رياض عبدالواحد الجزء الثالث والرابع
يبين التحليل أن البنية الزمكانية واللغوية تشكّل محور التجربة الشعرية، إذ تتداخل الفضاءات والأزمنة مع الإيقاع والصورة لتجسيد التحول النفسي، فتغدو اللغة نظاماً دلالياً حياً يربط الشعور بالرمز ويمنح النص وحدته الفنية....

البنية الزمكانية والتحول الشعوري: يمثل كل من المكان والزمان في قصيدة (خذ بيدي)، عناصر مركزية في بناء النص، إذ يتجاوزان وظيفة الخلفية ليصبحا عاملين فاعلين في تشكيل التجربة النفسية والرمزية للشاعر والمخاطب. فالبنية الزمكانية -هنا- ليست مجرد ترتيب للأحداث أو الصور، بل شبكة ديناميكية من الفضاءات الزمنية والمكانية التي تتفاعل مع المشاعر، الرموز، واللغة. يبدأ النص بتوظيف الفضاء المكاني لتجسيد التحول النفسي للذات: (وكنت كلَّما أتيتُكَ؛ تأخذ بيدي إلى جُرفِ النهار / بماتبقى لديك من وجع، مُنْتشياً بأغانٍ غجرية…) يمثل الجرف في هذا السياق نقطة الانزلاق والتحول النفسي، المكان الذي يصبح فيه الشعور بالوجود مرتبطًا بالانكشاف والخطر والوعي المتزايد. النهار ليس مجرد وقت، بل رمز للانكشاف والوضوح، ولحظة المواجهة مع الذات والآخر. الهضبة، التي تصف وقوف المخاطَب عليها، تخلق ارتفاعًا رمزيًا يسمح بالملاحظة والتأمل، لكنها أيضًا فضاء للانكسار النفسي، إذ تظهر العين غادرت السكينة والسماء المقفرة. يتسم الفضاء في النص بالازدواجية بين الخارجي والداخلي. السماء المقفرة، التي تُخلو من أي حياة إلا من “أزيز الشظايا المقفَّاة”، تعكس الاضطراب النفسي الداخلي، وتحوّل المكان الخارجي إلى مرآة للحالة الشعورية. وهكذا، يصبح المكان معبّرًا عن الصراع الداخلي، وعن تفاعل الذات مع الواقع الاجتماعي والتاريخي المحيط بها. لا يسير الزمن في النص سيرا خطيًا، بل يتداخل بين الماضي والحاضر في نسق شعوري ديناميكي: (…الأرواحُ تنطقُ والحَجر / قمْ تدلَّى مثلَ قافيةٍ كَبتْ فوقَ صدرِ البيتِ قد بانَ الظفَر) الزمن هنا ليس مجرد سياق، بل أداة شعورية رمزية، يعكس تراكم التجربة الإنسانية ويحتشد بالذكريات والأثر النفسي للأحداث السابقة، مما يمنح النص عمقًا متوازيًا بين الحاضر والذاكرة. هذا التداخل الزمني يعكس حالة الذات المتأرجحة بين الانكشاف والخوف، بين الفقدان والأمل، بين الحركة والسكون. علاوة على ذلك، تتفاعل البنية الزمكانية مع الحركة الرمزية للشخصيات. الطائر بلا جناح، الجثث، والحطام كلها تتحرك ضمن فضاءات محددة زمنياً ومكانياً، مما يعكس التحولات النفسية للمخاطب والذات، ويجعل المكان والزمن أدوات للسيمياء الشعورية: (أيُّها الطائرُ من غيرِ جَناحٍ في السَما / عُجّ على بيتٍ توارى واْندَثر) الطائر هنا يتحرك بين السماوات والأرض، وبين الغياب والحضور، ليصبح مؤشراً على الحرية المفقودة والذات المعطوبة، والفضاء الزمكاني يعكس هذا التوتر النفسي بنحو متكامل. تجدر الإشارة إلى أن النص يوظف تعدد الفضاءات المتداخلة—الجرف، الهضبة، السماء المقفرة، الطرقات المشردة، البيوت، الطواحين—ليخلق نسقًا شعوريًا مستمرًا يتحرك بين الأمل واليأس، الحلم والواقع، السلام الداخلي والفوضى الخارجية. هذه الشبكة الزمكانية المتحركة تسمح للشاعر بالتحكم في إيقاع النص النفسي والدلالي، وتجعل المتلقي يختبر تغير المشهد النفسي مع كل تحول مكاني وزمني. يمكن القول إن البنية الزمكانية في “خذ بيدي” ليست مجرد إطار أو خلفية، بل عنصر فاعل في التجربة الشعرية، يخلق تفاعلًا بين المكان، الزمن، النفس، والرموز، إذ يصبح كل مشهد شعوري مكملاً للآخر، وكل تحول مكاني أو زمني يعكس تحولًا نفسيًا أو رمزيًا.

بهذا النحو ، يتحول النص إلى فضاء شعوري متكامل، يربط بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، بين الحاضر والذاكرة، وبين الواقع الرمزي واللغة الشعرية. الجزء الرابع البعد اللغوي والإيقاعي: تتميز قصيدة “خذ بيدي” باستعمال لغة مبتكرة، تراكيب جملية مرنة، وإيقاع داخلي متحرك، مما يجعل البنية اللغوية للنص عنصرًا فاعلًا في نقل التجربة الشعورية. ليست اللغة في هذا النص مجرد أداة للتعبير عن المعنى، بل مكوّن رئيس من بنية النص، يشارك في خلق الرمزية، التوتر النفسي، والتحولات الزمكانية. أول ما يلفت الانتباه طول الجمل المركبة والتدفق المستمر للأفكار، الذي يعكس طبيعة التجربة النفسية المتقطعة والمشحونة بالعاطفة: (وكنت كلَّما أتيتُكَ؛ تأخذ بيدي إلى جُرفِ النهار / بماتبقى لديك من وجع، مُنْتشياً بأغانٍ غجرية…) تمتد.الجملة – هنا – لتحتوي على الحركة النفسية والفضاء الرمزي، ما يجعل المتلقي يعيش التدفق الشعوري للشاعر من دون انقطاع.كما تعكس التراكيب اللغوية المتداخلة حركة العقل والذاكرة في مواجهة التجربة الشعورية، وتجعل النص أقرب إلى تيار وعي شعوري موسيقي، أكثر من كونه سردًا شعريًا تقليديًا. يعتمد ايقاع النص على تكرار الضمائر والأصوات المفتاحية، مثل “هُ”، “كَ”، و”يُ”، بالإضافة إلى تكرار الحروف الساكنة والصامتة، مما يخلق تناغمًا صوتيًا متناسبًا مع التوتر النفسي والرمزي للنص. مثال على ذلك: (مُحملَّاً بثمارِ القَلقِ / تصفِرُ الذارياتُ فيهِ رأسي) تكرار الأصوات الصامتة في “تصفِرُ الذارياتُ” يحاكي صوت القلق الداخلي ويزيد من كثافة الإحساس النفسي، بينما التكرار الصوتي للضمائر يعزز الشعور بالمخاطب الغائب والحضور الرمزي في الوقت نفسه. تظهر للغة الابتكارية أيضًا في خلق استعارات مركبة ومباغتة، مثل: (قمْ تدلَّى مثلَ قافيةٍ كَبتْ فوقَ صدرِ البيتِ قد بانَ الظفَر) الاستعارة هنا تربط بين الحركة الجسدية، الصوت الشعري، والبنية النفسية، فالكفوف التي تتدلّى مثل القافية المكدسة تعكس شدة الانفعال الداخلي والاحتجاز النفسي، بينما الإشارة إلى “البيت” و”الظفر” تخلق توازيًا بين الحرف، الجسم، والمكان الرمزي. كما أن النص يعتمد على لغة ذات أبعاد سيميائية متشابكة، إذ تصبح كل كلمة حاملة لعدة دلالات في الوقت نفسه. الطائر بلا جناح، الجرف، الهضبة، الذاريات، كلها تعكس الصوت والحركة والمعنى النفسي في نسق واحد، وتخلق انسجامًا بين اللغة والصورة والشعور. اللغة في “خذ بيدي” تتفاعل أيضًا مع الإيقاع الداخلي للنص، فتكرار المشاهد الصوتية والحركية، مثل “يَنسلُّ بثوبه / يُجاهد لئلاّ يضمَحِلَّ ظلّي”، يخلق إيقاعًا شعوريًا موسيقيًا يحاكي حركة الذات بين الانكسار والمقاومة. هذا الإيقاع ليس عشوائيًا، بل مقنن بعناية ليعكس التوتر النفسي والتحولات الرمزية داخل النص. يتضح أن البعد اللغوي والإيقاعي في النص ليس مجرد أسلوب جمالي، بل عنصر بنيوي يشارك في بناء التجربة الشعرية الكاملة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبعدين النفسي والزمكاني والرمزي، مما يجعل النص نظامًا متكاملًا تتفاعل فيه اللغة، الصوت، الصورة، والرمز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *