إسرائيل في أضعف حالاتها: قراءة في الأسس والوقائع

إسرائيل في أضعف حالاتها قراءة في الأسس والوقائع
يعرض النص قراءة تعتبر إسرائيل في أضعف حالاتها استراتيجياً، مستنداً إلى العزلة الدولية، والارتهان للدعم الأميركي، والانقسام الداخلي، وتعثر الحسم العسكري في غزة، مؤكداً أن الضعف يتمثل في تآكل عناصر التفوق المركّب لا في القدرات العسكرية فقط....

أكد سماحة الشيخ نعيم قاسم أن إسرائيل تعيش أضعف حالاتها. وهذا التوصيف لا يُفهم بوصفه خطاباً سياسياً عابراً، بل باعتباره قراءة تستند إلى معطيات استراتيجية متراكمة، تكشف تحولات عميقة في بنية القوة الإسرائيلية وموقعها الإقليمي والدولي.

هذه القراءة تنطلق من مجموعة عناوين مترابطة، تشكّل بمجملها صورة متكاملة عن واقع الكيان اليوم.

1- أولاً: العزلة الدولية المتصاعدة

لم تعد إسرائيل تحظى بذلك الغطاء الدولي المريح الذي رافقها لعقود. صورتها في الرأي العام العالمي اهتزت بشكل غير مسبوق، وتصاعدت الانتقادات في المؤسسات الدولية وفي الشارع الغربي.

هذه العزلة لا تعني القطيعة الدبلوماسية، لكنها تعني تراجع الشرعية السياسية والأخلاقية، وهو عنصر أساسي في أي صراع طويل الأمد.

2 – ثانياً: الارتهان الكامل للدعم الأميركي

لم يعد بمقدور إسرائيل خوض حرب كبرى بمفردها. كل مواجهة تحتاج إلى دعم عسكري وسياسي ولوجستي مباشر من الولايات المتحدة. القرار العسكري لم يعد مستقلاً بالكامل، بل بات مرتبطاً بحسابات واشنطن الاستراتيجية.

حتى في وثائق الأمن القومي الأميركية، جرى التأكيد على الالتزام بحماية إسرائيل، لكن مع التشديد على أن عليها تحمّل مسؤولياتها إذا ذهبت إلى إشعال حروب جديدة. هذه المعادلة تعكس تحوّلاً واضحاً: حماية مشروطة لا تفويضاً مفتوحاً.

3- ثالثاً: الانقسام داخل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة

لأول مرة يظهر انقسام واضح داخل الدوائر الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة، سواء بين التيارات السياسية أو داخل المؤسسات الفكرية والإعلامية. هذا التصدّع يضعف قدرة إسرائيل على التأثير الموحد في القرار الأميركي، ويجعل الدعم أقل تماسكاً مما كان عليه في العقود الماضية.

4- رابعاً: العجز عن الحسم العسكري – نموذج غزة

لطالما سعت إسرائيل إلى حسم سريع يعيد تثبيت قوة الردع. إلا أن عجزها عن تحقيق نصر حاسم في غزة، رغم التفوق العسكري الكبير، شكّل دليلاً عملياً على تآكل القدرة الردعية.

الحرب التي تبدأ ولا تُحسم تتحول إلى استنزاف عسكري وسياسي ونفسي، وهذا مؤشر خطير على أي قوة تدّعي التفوق المطلق.

5- خامساً: الانقسام الداخلي الإسرائيلي

يعيش الكيان انقساماً حاداً بين مكوّناته: من الحريديم إلى التيارات العلمانية، ومن المعارضة إلى أجنحة داخل اليمين نفسه. الخلافات طالت بنية النظام وصلاحيات القضاء وهوية الدولة وشكل العلاقة بين الدين والسياسة.

هذا التفكك الداخلي ينعكس مباشرة على الجبهة العسكرية وعلى القرار السياسي، إذ يصعب خوض معارك طويلة في ظل مجتمع منقسم على ذاته.

6 – سادساً: الامتناع عن خرق وقف النار مع إيران

للمرة الأولى في تاريخ حروبها، لم تُقدم إسرائيل على خرق وقف إطلاق نار مع دولة خاضت معها مواجهة مباشرة، والمقصود هنا إيران.

هذا الامتناع لا يُقرأ كضبط نفس طوعي، بل كحسابات دقيقة لموازين القوى ولنتائج قد تكون خاسرة إذا ما توسعت المواجهة.

إسرائيل التي اعتادت المبادرة والضرب الاستباقي باتت تحسب خطواتها بدقة أمام احتمال رد واسع ومؤلم.

7 – سابعاً: الهجرة العكسية والأزمة الاقتصادية

تضاف إلى ذلك مؤشرات ديموغرافية واقتصادية مقلقة: الحديث عن هجرة عكسية، تراجع الاستثمارات، ارتفاع كلفة الحرب، وتنامي المخاوف الوجودية. في الداخل الإسرائيلي عاد الحديث عن ما يُعرف بـ”لعنة الثمانين عاماً”، في إشارة إلى تحديات بنيوية تواجه الكيانات التي قامت على القوة العسكرية دون استقرار طويل الأمد.

الخلاصة:

القول إن إسرائيل في أضعف حالاتها لا يعني أنها فقدت سلاحها أو تفوقها التقني، بل يعني أن عناصر القوة الشاملة التي كانت تمنحها هامش المبادرة بلا حساب لم تعد متكاملة كما كانت:

تمتلك سلاحاً متطوراً، لكنها تفتقد اليقين الاستراتيجي.

تمتلك دعماً دولياً، لكنه مشروط ومتنازع عليه.

تمتلك جيشاً قوياً، لكنه عاجز عن حسم سريع.

تمتلك مؤسسات، لكنها منقسمة على ذاتها.

من هنا جاءت قراءة الشيخ نعيم قاسم: الضعف ليس في عدد الطائرات أو الدبابات، بل في تآكل عناصر التفوق المركّب الذي كان يمنح إسرائيل القدرة على فرض معادلاتها دون خشية من النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *