الإطار التنسيقي: من وحدة الضرورة إلى تفكك المصالح؛ قراءة في الخلافات الداخلية وتداعياتها على القوى الشيعية

الإطار التنسيقي من وحدة الضرورة إلى تفكك المصالح؛ قراءة في الخلافات الداخلية وتداعياتها على القوى الشيعية
تحوّل الخلاف داخل الإطار التنسيقي إلى انقسام بنيوي يهدد تماسكه على مستويات القيادة والنفوذ والمنهج. تفككه يعني نهاية القرار الشيعي الموحد، ومرحلة تفاوض مفتوح تضعف الحكومات المقبلة وتغيّر موازين التفاوض داخل الدولة العراقية....

لم يعد الخلاف داخل الإطار التنسيقي خلافًا عابرًا أو مرتبطًا بمرحلة تفاوضية مؤقتة، بل تحول إلى خلاف بنيوي يمس جوهر التحالف، هذه الخلافات تتوزع على ثلاثة مستويات رئيسية: مستوى القيادة، ومستوى النفوذ، ومستوى المنهج السياسي في إدارة الدولة والتحالف.

على مستوى القيادة يبرز التباين حول دور السيد نوري المالكي، وحدود استمراره كمركز ثقل مهيمن داخل الإطار، قوى مثل تيار الحكمة والعصائب وخدمات لم تعد ترى أن إعادة إنتاج الزعامة التقليدية خيار قابل للاستمرار لا داخليًا ولا خارجيًا، خصوصًا في ظل حساسية المرحلة والضغوط الإقليمية والدولية.

أما على مستوى النفوذ، فقد أدى صعود قوى مثل العصائب وكتلة خدمات إلى خلخلة التوازنات الداخلية، هذه القوى تسعى لترجمة ثقلها السياسي أو الميداني إلى نفوذ تنفيذي مباشر، وهو ما يصطدم مع أطراف تفضل إدارة تقليدية تركز فيها عن الهيمنة والسيطرة المستمرة.

وعلى مستوى المنهج، ينقسم الإطار بين من يراه تحالفًا لإدارة الدولة وتجنب الصدام، ومن يتعامل معه كأداة فرض وتحدً، هذا الانقسام جعل اتخاذ القرار داخل الإطار بطيئًا، ومترددًا، وأحيانًا معطلًا بالكامل.

أولاً : كيف يتفكك الإطار؟

تفكك الإطار لا يحدث عبر إعلان رسمي أو انسحاب صريح، بل عبر مسار تراكمي هادئ، يتجلى ذلك في عدم حضور الاجتماعات المؤثرة، وصدور مواقف سياسية متناقضة، وتحول كل كتلة إلى خطاب مستقل، مع غياب القدرة على فرض مرشح موحد أو رؤية جامعة، بهذا الشكل يتحول الإطار من تحالف فاعل إلى كيان شكلي بلا وظيفة سياسية حقيقية، حاضر بالاسم وغائب بالفعل.

ثانياً: تأثير النتائج على القوى الشيعية

تفكك الإطار يعني عمليًا نهاية فكرة القرار الشيعي الموحد، وعودة كل قوة شيعية إلى التفاوض منفردة مع الشركاء الآخرين، هذا التحول يضعف القدرة على فرض الشروط السياسية ويجعل أي حكومة قادمة نتاج تسوية هشة بلا ظهير سياسي متماسك، كما يؤدي ذلك إلى استمرار نمط الحكومات الضعيفة، التي تفتقر إلى القدرة على اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة أو إدارة ملفات الخدمات والاقتصاد بفعالية.

ثالثًا : من هو الخاسر الأكبر؟

الخاسر الأكبر من تفكك الإطار هو السيد نوري المالكي، ليس باعتباره شخصية سياسية فقط، بل بوصفه مركز إدارة وتحكم داخل التحالف، تفكك الإطار يعني عمليًا سقوط أدواته الأساسية في مواجهة بقية الأطراف، وتقديم نفسه كضامن لوحدة البيت الشيعي، تلي ذلك خسارة نسبية لبعض القوى التي تعتمد على غطاء التحالف لتبرير أدوارها السياسية، إضافة إلى الشارع الشيعي الذي يجد نفسه بلا قيادة موحدة أو ممثل واضح قادر على تحويل الغضب الشعبي إلى مسار سياسي منظم.

رابعًا : من هو الرابح الأكثر؟

الرابح الأكبر من تفكك الإطار هم بقية المكونات، إذ ينتقل ميزان التفاوض لصالحهم في تشكيل الحكومات وفرض الشروط السياسية والاقتصادية، ولا سيما في ملفات النفط والموازنة والصلاحيات، كما يبرز رابح آخر يتمثل في “مرشح التسوية الهادئ”، المقبول داخليًا وخارجيًا، وإن كان هذا الربح مرتبطًا بالمنصب أكثر من كونه تعبيرًا عن قوة سياسية حقيقية.

خامسًا: التأثير على الدولة العراقية

على مستوى الدولة لا يعني تفكك الإطار انهيار النظام السياسي، لكنه يعني استمرار إدارة الأزمات بدل بناء السياسات، وتعميق أزمة الخدمات، وتآكل الثقة بين المواطن والطبقة السياسية، هذا الواقع يفتح الباب أمام ضغط شعبي متصاعد في ظل غياب مشروع سياسي واضح قادر على استيعاب هذا الغضب أو تحويله إلى إصلاح مؤسسي.

الإطار التنسيقي يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة تعريف نفسه بتحالف متوازن وبراغماتي قادر على إدارة الضغوطات والتكيف مع المتغيرات، أو الاستمرار في التآكل حتى يفقد دوره بالكامل.

وفي كلتا الحالتين، يتجه العراق نحو مرحلة تفاوض مفتوح بلا مركز ثقل واضح، حيث تستمر الدولة لكن بكلفة سياسية أعلى، واستقرار أكثر هشاشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *