هل سيكون في العراق غوانتانامو الثانية… أم ماذا؟

هل سيكون في العراق غوانتانامو الثانية… أم ماذا؟
يناقش النص احتمال تحويل العراق إلى نقطة احتجاز أو تجميع لعناصر متطرفة ضمن استراتيجيات إدارة الصراع، محذراً من مخاطر إعادة تدوير الإرهاب في دولة دفعت كلفة باهظة لمواجهته، ومشدداً على أن مكافحته تقتضي إنهاءه لا إعادة توزيعه....

في عالم تتغيّر فيه طبيعة الحروب بسرعة، لم تعد المواجهات تُدار فقط عبر الجيوش النظامية، بل عبر أدوات غير تقليدية تقوم على إدارة الأزمات بدل إنهائها. ومن بين أكثر الأسئلة إثارة للقلق في المرحلة الراهنة يبرز تساؤل جوهري: هل يُراد تحويل العراق إلى نسخة جديدة من نموذج الاحتجاز خارج الحدود، شبيهة بما مثّله معتقل غوانتانامو، أم أن ما يجري لا يتعدى مجرد تكهنات سياسية؟

هذا السؤال لا ينبع من فراغ، بل من قراءة لمسار الصراعات الحديثة التي باتت تعتمد على إدارة الجماعات المسلحة بوصفها أدوات ضغط متعددة الاستخدام. فبدلاً من القضاء النهائي على التنظيمات المتطرفة، ظهرت نظريات تتحدث عن احتوائها أو إعادة توزيعها جغرافياً، بحيث تبقى تحت السيطرة دون أن تختفي تماماً من المشهد.

الفكرة المثيرة للقلق تتمثل في احتمال دفع العراق ليكون نقطة تجميع أو احتجاز لعناصر متطرفة قادمة من مناطق نزاع مختلفة، سواء تحت عناوين أمنية أو ترتيبات دولية لمحاربة الإرهاب. ظاهرياً يبدو الأمر إجراءً تنظيمياً، لكن جوهره يطرح إشكالية أعمق: هل الهدف هو عزل هذه العناصر ومنع خطرها، أم إبقاؤها كأداة قابلة للاستخدام ضمن توازنات الصراع؟

في العقائد القتالية غير المعلنة، تُعامل بعض الجماعات المسلحة أحياناً كقوى رديفة غير رسمية. يمكن أن تُستخدم لإرباك خصوم أو الضغط عليهم أمنياً وسياسياً، ثم تُستهدف لاحقاً بعمليات عسكرية تُقدَّم للعالم باعتبارها حرباً ناجحة ضد الإرهاب. وبهذه الطريقة تتحقق معادلة مزدوجة: توظيف الفوضى حين تكون مفيدة، والقضاء عليها عندما يحين وقت إعلان الانتصار.

لقد أثبتت تجارب سابقة أن وجود تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية لم يكن مجرد ظاهرة أمنية محلية، بل عنصرًا دخل في حسابات إقليمية ودولية معقدة، حيث استفادت أطراف متعددة من وجوده كما استفادت لاحقاً من القضاء عليه. وهذا ما يجعل فكرة تجميع عناصر متشددة في دولة عانت أصلاً من الإرهاب أمراً بالغ الخطورة.

العراق دفع أثماناً باهظة في مواجهة التطرف؛ مدن دُمّرت، ومجتمع تعرّض لتمزقات عميقة، وآلاف الضحايا سقطوا في حرب طويلة لاستعادة الاستقرار. لذلك فإن طرح احتمال استقبال أو احتجاز متطرفين من خارج حدوده يفتقر إلى أي مبرر عقلائي أو أخلاقي أو سيادي. فالدولة التي نجحت في طرد الإرهاب لا يمكن أن تتحول إلى مكان لإعادة تجميعه، مهما كانت المبررات السياسية.

الأخطر أن وجود تجمعات متطرفة داخل أي بلد لا يعني تجميد خطرها، بل قد يخلق بيئة جديدة لإعادة التنظيم والتجنيد والتخطيط. وهنا يتحول الاحتواء إلى مصدر تهديد دائم، وتصبح البلاد رهينة لاحتمالات أمنية مفتوحة.

إن السؤال الحقيقي ليس فقط هل سيكون في العراق كوانتنامو ثانية، بل لماذا يُطرح مثل هذا الاحتمال أصلاً؟ وهل المطلوب فعلاً مكافحة الإرهاب، أم إدارة وجوده بطريقة تخدم توازنات أكبر من حدود المنطقة؟

في النهاية، لا يمكن لأي منطق سياسي سليم أن يبرر تحويل أرضٍ دفعت ثمناً باهظاً للاستقرار إلى محطة احتجاز أو إعادة تدوير للخطر ذاته. فمكافحة الإرهاب تبدأ بإنهائه جذرياً، لا بنقله من مكان إلى آخر. والعراق، الذي خرج من واحدة من أعنف المواجهات مع التطرف، لا يحتاج إلى إعادة فتح الباب أمام تهديد عرف جيداً كلفته الثقيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *