تمهيد : تنفتح قصيدة «خُذْ بيدي» على فضاء لغوي كثيف، تتقاطع فيه أنظمة العلامة الشعرية مع أنماط التشكيل الوجودي للذات، إذ لا يعود النص مجرد سردٍ شعوري أو بثٍّ وجداني، بل بنية دلالية متشظية تتوزع على مستويات: النداء، الانكسار، الاستغاثة، والانجراف نحو عتبة الخراب الرمزي. ومن هنا فإن المقاربة البنيوية–السيميائية تبدو الأنسب لقراءة هذا النص؛ لأنها تسمح بتفكيك شبكة العلامات الأولى التي يؤسس بها الشاعر فضاءه الشعري منذ النصيص والمقاطع الافتتاحية.
العنونة بوصفها عتبة استغاثة وتشكيلًا لعلاقة ثنائية: يحمل نصيص القصيدة (خُذْ بيدي) صيغة فعل الأمر، وهي صيغة لغوية ذات طابع تداولي مباشر، بيد أنها في السياق الشعري تتحول إلى علامة وجودية مركبة، إذ تتضمن: حركة انتقال من العزلة إلى التشارك: فالفعل “خُذْ” يفترض وجود آخر قادر على الإنقاذ أو المشاركة، ما يخلق ثنائية (أنا/أنت) بوصفها نواة البناء الدلالي. إعلان هشاشة الذات منذ البداية: فاليد الممدودة ليست علامة قوة بل علامة حاجة؛ وبذلك يضع الشاعر المتلقي أمام ذاتٍ مهددة بالانهيار. تأسيس أفق سردي خفي: لأن طلب الأخذ باليد يشير ضمنًا إلى مسار أو هاوية أو انتقال قادم، وهو ما يتأكد لاحقًا حين يقول: (تأخذ بيدي إلى جُرفِ النهار) فتتحول اليد من علامة إنقاذ محتمل إلى علامة قيادة نحو حافة الخطر. المقاطع الأولى وبناء الذات المتشظية: يفتتح النص بسلسلة مقاطع قصيرة مفصولة بنقاط، وكأنها لقطات نفسية متقطعة: (لعلَّها تَيقَّنَتْ من خيبتِها ابتكرتْ الدمعةَ عيوني) في هذا المقطع تظهر ثلاث حركات دلالية: الخيبة بوصفها أصل التجربة. الابتكار وهو فعل إبداعي، لكنه هنا يُنسب إلى الدمع.
تبدل الضمائر إذ تصبح العيون ذاتًا مستقلة. إن الذات هنا لا تتكلم بصوت واحد؛ بل تتوزع على أعضاء وعلامات، ما يشير إلى تشظٍ مبكر في البنية النفسية للنص. ثم يقول: (يَنسلُّ بثوبِهِ يُجاهدُ لئلاّ يضمَحِلَّ ظلِّي) ليس الظل – هنا-: مجرد صورة بل هو هوية بديلة؛ إذ يصبح الحفاظ على الظل معادلًا للحفاظ على الوجود. ومن منظور سيميائي، فإن الظل يمثل النسخة المتبقية من الذات بعد تعرضها للانمحاء. العلامات الملاحية ورمزية التيه: في المقطع التالي: (مُقتفياً الفناراتِ في سَرادقِ الوحشةِ شِراعي) نلاحظ توظيف مفردات ملاحية (الفنارات – الشراع)، لكنها تأتي داخل فضاء الوحشة، ما يولّد مفارقة: الفنار عادةً علامة هداية، لكن وجوده في “سرادق الوحشة” يحوّله إلى دليلٍ بلا خلاص. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته مجاز التيه الموجّه؛ أي أن الذات تسير خلف إشارات لكنها لا تبلغ مرفأً حقيقيًا. الرأس بوصفه مسرح العاصفة الداخلية: يقول الشاعر: (مُحملَّاً بثمارِ القَلقِ تصفِرُ الذارياتُ فيهِ رأسي) الرأس هنا ليس مركز تفكير فقط بل فضاء كوني صغير؛ فالذاريات – بوصفها رياحًا مدمرة – تتحول إلى أصوات داخلية، ما يرسخ: تماهٍ بين الداخل والخارج، وتحول الذات إلى عاصفة مستمرة. إن هذه الصورة تمثل ذروة التمهيد النفسي قبل الانتقال إلى المقطع الطويل الذي يبدأ بـ: (وكنت كلما أتيتك…) إذ ينتقل النص من الشذرات إلى السرد الشعري الممتد. الانتقال من الشذرة إلى السرد بداية الحكاية الوجودية: يشكّل المقطع الطويل انعطافة بنيوية؛ إذ تتحول القصيدة من لقطات نفسية إلى مشهد شبه سردي، مليء بالصور الكابوسية: النهر الذي يخلع ثيابه، البلاد المكفنة بالسخام، المجانين، موائد الملوك.
وهذا التحول يكشف أن المقاطع الأولى لم تكن سوى: تهيئة نفسية، وبناءً تدريجيًا لوعيٍ منكسر، قبل الانغماس في المشهد الكارثي الأوسع. الخاتمة : يمكن القول إن البنية الافتتاحية لقصيدة «خُذْ بيدي» تؤسس منذ النصيص وحتى المقاطع الأولى لمنظومة دلالية قائمة على: استغاثة وجودية موجهة إلى آخر غامض، تشظي الذات عبر الأعضاء والظلال، توظيف العلامات الملاحية لإنتاج معنى التيه، وتحويل الداخل النفسي إلى فضاء كوني عاصف. وهكذا لا يظهر الانكسار بوصفه نتيجة لاحقة للأحداث، بل بوصفه شرطًا تأسيسيًا تنبثق منه القصيدة كلها، ما يجعل العتبة النصية حاملة لبذور الخراب الدلالي الذي سيتوسع في المقاطع اللاحقة.

