قراءة وتأويل لقصيدة ( خذ بيدي ) للشاعر عادل قاسم رياض عبد الواحد الجزء الثاني

قراءة وتأويل لقصيدة ( خذ بيدي ) للشاعر عادل قاسم رياض عبد الواحد الجزء الثاني
تبيّن القراءة أن الفضاء النفسي والرمزي يشكّل جوهر التجربة الشعرية، حيث تتحول الصور والاستعارات إلى بنية دلالية حيّة تربط الذات بالعالم، وتمنح النص طاقة شعورية تفاعلية تفتح التأويل وتعمّق أثره الجمالي....

 الفضاء النفسي والرمزي للقصيدة:
في قصيدة “خذ بيدي” يظهر الفضاء النفسي كنواة أساسية لتشكيل التجربة الشعرية. يبدأ النص بصور أولية دقيقة، توضح العلاقة بين الذات والمشاعر، وبين الإحساس الفردي والتعبير الرمزي: (لعلَّها تَيقَّنَتْ من خيبتِهِا / ابتكرتْ الدمعةَ عيوني) في هذه الصورة، تتحول الدمعة من مجرد أثر لحزن ما إلى كيان شعوري فاعل يبتكر العين نفسها. هذا التوظيف الرمزي لا يقتصر على التعبير عن الحزن، بل يكشف عن قدرة النص على إضفاء الحياة على الانفعال النفسي وتحويله إلى عنصر شعري ديناميكي. الدمعة هنا رمز للوعي بالخيبة، وللقدرة على إنتاج شكل شعوري جديد يعكس الحالة الداخلية للذات. يتوسع النص في بناء الفضاء النفسي المتحرك مع عناصر رمزية إضافية: (مُحملَّاً بثمارِ القَلقِ / تصفِرُ الذارياتُ فيهِ رأسي) الرأس في هذا السياق لا يقتصر على كونه عضوًا جسديًا، بل يمثل مركز القلق والإدراك النفسي المتكثف. الذاريات التي تصفر تشير إلى تدفق القلق في بنية الوعي والذاكرة، ما يجعل المتلقي يختبر حالة من الاضطراب النفسي والوعي المتوتر بنحو متواز مع النص. تكشف هذه الصور عن تفاعل معقد بين الذات وعالمها الداخلي والخارجي، فيتحول الفضاء النفسي إلى فضاء رمزي متداخل مع المكان والزمن. المخاطَب في النص، الذي يظهر في صيغة الضمير المخاطب “الكاف”، يضفي على التجربة شعورًا بالحضور الغائب، مما يخلق شبكة تفاعلية بين الذات والآخر والمتلقي.

تظهر هذه الوظيفة بوضوح في مقطع: (وكنت كلَّما أتيتُكَ؛ تأخذ بيدي إلى جُرفِ النهار / بماتبقى لديك من وجع، مُنْتشياً بأغانٍ غجرية…) يمثل الجرف – هنا – التحول النفسي والانزلاق بين حالة وآخرى، بينما النهار يرمز للوعي والانكشاف، والهضبة للحظة التأمل أو الملاحظة المتوازنة. في هذا المشهد، يتحرك الفضاء النفسي في مستويات متعددة: من الانفعال الفردي، إلى الاستجابة للآخر، وصولًا إلى بناء نسق شعوري متكامل يربط بين الداخل والخارج. تتجلى قوة النص في دمج البعد النفسي بالرمز الصوتي والبصري. فالصورة مثل “الرأس المحمّل بثمار القلق” أو “الذاريات التي تصفر” ليست مجرد استعارة، بل إشارات صوتية وبصرية تعمل على توجيه إحساس المتلقي بالتوتر النفسي واليقظة الشعورية. هنا، اللغة تعمل على تحويل التجربة الشعورية إلى واقع شعري حي، يمكن للمتلقي أن يراه ويشعر به في الوقت نفسه.

كما يظهر البعد الرمزي في الشخصيات والرموز الثانوية، مثل الطائر بلا جناح، الذي يمثل الحرية المفقودة أو الذات المعطوبة، والطرقات المشردة والحالمين، التي تجسد الواقع الاجتماعي والوجودي للذات، فضلاً عن الجثث والحطام التي تعكس أثر الزمن والكوارث على التجربة الإنسانية.

كل رمز هنا متعدد الوظائف، يتداخل مع عناصر النص الأخرى لتشكيل نسق دلالي متحرك ومفتوح على التأويلات المختلفة. بواسطة هذا التداخل بين النفسي والرمزي، يتضح أن النص لا يكتفي بوصف المشاعر، بل يحوّل المشاعر إلى نظام شعري ديناميكي، فتصبح اللغة والرموز والفضاءات عناصر متفاعلة. هذا التفاعل يجعل النص فضاءً شعوريًا متحركًا، يمكن للمتلقي أن يشارك فيه كفاعل شعوري، وليس مجرد متلقي سلبي. باختصار، الفضاء النفسي والرمزي في “خذ بيدي” هو بنية أساسية لبقية مستويات النص: فهو يهيئ للانتقال إلى البعد الزمكاني والتحولات الشعورية، ويدعم البنية اللغوية والإيقاعية، ويشكل أساسًا للبنية التداولية التي تربط النص بالمتلقي والمخاطَب. إن فهم هذه الطبقة من النص يمكّننا من تقدير كيف يدمج الشاعر بين الشعور الفردي، الرمزية المعقدة، والإيقاع الداخلي للنص، ليخلق تجربة شعرية متكاملة ومعقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *