في لحظة نادرة من الصراحة السياسية، أقرّ الرئيس الأميركي المجرم دونالد ترامب بحقيقةٍ حاولت الإدارة الأميركية طويلًا إنكارها، حين قال إن الهجوم الذي نُفذ ضد إيران لم يكن ليأخذ الشكل نفسه لو كان الجنرال قاسم سليماني ما زال حيًا، واصفًا إياه بـ”الجنرال العظيم” و”القوي”. هذا الاعتراف، الصادر عن الرجل الذي أمر باغتياله، لا يُعدّ مجرد زلّة لسان، بل شهادة دامغة على الثقل الاستثنائي الذي كان يمثله سليماني في معادلات الصراع الإقليمي والدولي.
اعتراف ترامب ومعنى الثقل الذي مثّله سليماني
لم يكن قاسم سليماني قائدًا عسكريًا تقليديًا، ولا مجرد ضابط رفيع في مؤسسة عسكرية، بل كان مدرسةً استراتيجية متكاملة، أعاد تعريف مفهوم القيادة الميدانية في حروب غير متكافئة، ونجح في بناء منظومة ردع عابرة للحدود، أربكت الحسابات الأميركية والإسرائيلية، وغيّرت موازين القوى في غرب آسيا. لقد كان حضوره الميداني، وشبكة علاقاته، وفهمه العميق لطبيعة المجتمعات والصراعات، عنصرًا حاسمًا في إفشال مشاريع كبرى كانت تهدف إلى تفكيك دول المنطقة وإعادة رسمها بالقوة.اعتراف ترامب بأن “إيران ربما لم تكن ستنجح لو كان سليماني حاضرًا” يكشف حقيقة لطالما حاول الإعلام الغربي طمسها، وهي أن اغتيال سليماني لم يكن استعراض قوة، بل محاولة يائسة لكسر عقل استراتيجي شكّل كابوسًا دائمًا لغرف القرار في واشنطن. فالرجل لم يكن يقاتل بالسلاح فقط، بل بالعقل، وبالقدرة على تحويل نقاط الضعف إلى مصادر قوة، وبناء تحالفات صلبة قائمة على المصالح المشتركة والهوية والهدف.
قاسم سليماني ومعادلة الردع في ساحات الإقليم
في العراق، كان سليماني حاضرًا في أخطر اللحظات، عندما كادت عصابات “داعش” أن تبتلع الدولة والمجتمع. لم ينتظر قرارات دولية ولا تحالفات مترددة، بل نزل إلى الميدان، ونسّق بين القوى، وأسهم بشكل مباشر في بلورة معادلة الصمود التي انتهت بدحر المشروع الإرهابي. وفي سوريا، لعب دورًا محوريًا في منع سقوط الدولة، وفي لبنان وفلسطين واليمن، كان اسمه حاضرًا في كل معادلة ردع أربكت الاحتلال وحماته.
إن أهمية قاسم سليماني لا تكمن فقط في إنجازاته العسكرية، بل في رمزيته؛ فهو مثّل نموذج القائد الذي يعيش مع جنوده، ويتقدم الصفوف، ويؤمن بقضيته حتى الشهادة. لذلك،
ما بعد الاغتيال: من القائد إلى الرمز الذي لا يُغتال
لم يكن اغتيال قاسم سلیماني نهاية لدوره، بل بداية لتحوّله إلى رمزٍ يتجاوز الجغرافيا والزمان، ورسالةٍ حيّة بأن مشروع المقاومة لا يقوم على الأفراد، بل على الوعي الذي يخلّفونه.
المفارقة الكبرى أن من وصفه اليوم بـ”الجنرال العظيم” هو ذاته من اعتقد أن اغتياله سيُسقط محورًا كاملًا. لكن الوقائع أثبتت العكس؛ فالمنطقة بعد سليماني لم تنكسر، بل ازدادت تماسكًا، وأصبحت أكثر وعيًا بطبيعة الصراع، وأكثر تصميمًا على حماية سيادتها. وهنا تتجلى حقيقة قاسم سليماني: رجلٌ كان حيًا فخافه أعداؤه، واستشهد فصار فكرًا لا يمكن اغتياله.


