منذ أسابيع، تتصاعد نبرة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران، ويُروَّج إعلاميًا لاحتمال اندلاع حرب كبرى في الإقليم. غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث توحي بأننا لسنا أمام حرب تقليدية وشيكة، بقدر ما نحن أمام مرحلة إعادة ترتيب توتر محسوب، تُدار فيها الصراعات عبر أدوات غير مباشرة، وتُستخدم فيها ملفات قومية وأمنية شديدة الحساسية. التهديد بضرب إيران: غطاء أم ردع؟ الولايات المتحدة تدرك أن أي حرب مباشرة مع إيران ستفتح أبوابًا لا يمكن السيطرة عليها: اضطراب أسواق الطاقة، توسع رقعة الاشتباك، وانهيار توازنات دولية هشة. لذلك، يبدو التلويح بالحرب أقرب إلى وظيفة إعلامية وردعية، تغطي تحركات أكثر تعقيدًا وأقل ضجيجًا، تقوم على: استنزاف الخصوم بدل مواجهتهم. إرباك بيئاتهم الداخلية.
تحريك صراعات إثنية وقومية كامنة. قسد: من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم تكن يومًا مشروع دولة، بل أداة ضغط مؤقتة استُخدمت في: تحجيم الدور التركي. تعطيل التواصل الجغرافي الإيراني. التحكم بجزء من الجغرافيا السورية الغنية بالموارد. اليوم، ومع تغيّر موازين القوى، تحوّلت هذه الورقة إلى عبء، ما يفتح الباب أمام سيناريو إعادة توظيفها أو تفكيكها، وربما ضربها جزئيًا لإعادة خلط الأوراق، بما يربك تركيا والعراق وإيران في آنٍ واحد. الملف الكردي: الفتنة الأخطر إحياء البعد القومي الكردي في تركيا وإيران ليس جديدًا، لكنه اليوم يُطرح كأداة ضغط عالية الخطورة.
هذا السيناريو لا يستهدف إسقاط الأنظمة بقدر ما يسعى إلى: إنهاكها داخليًا. دفعها إلى ردود فعل أمنية قاسية. ثم التدخل لاحقًا تحت عناوين “حماية الأقليات” و”الاستقرار الإنساني”. وهو خطاب جاهز ومجرَّب في النظام الدولي. نقل سبعة آلاف إرهابي من سوريا إلى العراق: سؤال السيادة والمخاطر واحدة من أخطر المؤشرات التي لا تحظى بنقاش كافٍ هي نقل آلاف العناصر الإرهابية من الساحة السورية إلى العراق، تحت ذرائع أمنية أو لوجستية.
الدلالات الخطيرة: إعادة تدوير الإرهاب بدل تصفيته. تحويل العراق إلى ساحة امتصاص فائض الأزمات. خلق قنابل أمنية نائمة قابلة للتفجير عند الحاجة. المخاطر المباشرة على العراق: تهديد السلم الأهلي في مناطق هشّة أصلًا. إعادة إنتاج داعش بأسماء ومسميات جديدة. توريط العراق في صراعات إقليمية لا مصلحة له فيها. السؤال الأخطر: هل العراق يعِي ما يفعل؟ قبول العراق بهذا الملف يطرح تساؤلات مشروعة: هل القرار عراقي خالص؟ أم استجابة لضغط أمريكي؟ وإذا كان مقابل ماذا؟ دعم سياسي؟ حماية شكلية؟ أو وعود مؤجلة لا تُنفَّذ؟ التجربة العراقية مع الوعود الأمريكية لا تبعث على الاطمئنان. لماذا لا تبدأ الحرب رغم الاستعدادات؟ لأن ما يجري هو: حرب أعصاب. اختبار للتماسك الداخلي للدول.
تحريك أدوات تفكيك دون إعلان مواجهة. الاستعدادات العسكرية قد تكون: رسائل ردع. أو غطاء لتحركات استخبارية وتخريبية بعيدة عن الإعلام. الخلاصة نحن لا نقف على أعتاب حرب كبرى، بل أمام مرحلة هندسة فوضى ذكية: تُربك دون إسقاط. تُضعف دون احتلال. وتُعيد رسم ملامح النفوذ دون خرائط معلنة. الخطر الحقيقي لا يكمن في الصواريخ، بل في: اللعب على الهويات. وتدوير الإرهاب. وتحويل الدول الهشّة إلى ساحات تصفية حسابات. وإذا لم يُدرك العراق طبيعة هذه اللعبة، فقد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراعات لم يصنعها.


