لماذا الجمهورية؟

لماذا الجمهورية؟
يقدّم النص الجمهورية كفعل إحياء لا كسلطة، زرعت الوعي والكرامة في أرض قاسية بصبرٍ وصدق، فأنبتت مقاومة واعية ومتكافئة، وأثبتت أن القوة الأخلاقية المتجذّرة هي سبب الصعود وسبب الاستهداف معًا....

لأنّها لم تأتِ إلى التاريخ خفيفة الخطو، ولا دخلته من أبواب المجاملة. أتت كما يأتي الفلاح حين يشتدّ القيظ وتتشقق الأرض: مثقلاً بالسنين، مشتعلاً شيباً، لكنّ في ساعديه عناد الحياة، وفي قلبه يقين لا يلين. وقف أمام أرضٍ جرداء قاسية، قالوا عنها ميّتة، وقالوا إنّها لا تُنبت إلا الخضوع، فشمر عن ساعديه، لا بدافع التحدّي وحده، بل بدافع الحبّ والإيمان.

الجمهورية لم تكن مشروع دولة فقط، بل مشروع إحياء. رأت في تلك الأرض القاحلة ما لم يره غيرها: إمكاناً نائماً، وبذوراً دفنتها قرون من القهر. فانحنت عليها كما ينحني الأب على جبين ابنه، وبدأت الفلاحة. حرثٌ طويل، موجع، لا تصفيق فيه ولا كاميرات. حرث بالموقف قبل المعول، وبالثبات قبل القوة. ثم زرعت… لم تزرع ذهباً ولا نفطاً، بل بذور الحرية، الكرامة، الشهامة، وحق الإنسان أن يقول: أنا هنا.

كانت تتعهد الزرع فجراً وعشية. في الفجر حين يكون الأمل طريّاً، وفي العشيّة حين يثقل التعب على العيون. تسقيه عزّاً، وتسقيه قطرات من عرقٍ مجبول بالشرف والموقف، عرقٍ يعرف أن الأرض لا تُثمر إن لم تُسقَ بصدق. لم تستعجل الحصاد، ولم تلعن المواسم. كانت تعرف أن ما يُراد له أن يصعد إلى السماء، عليه أولاً أن يمدّ جذوره عميقاً في التراب.

وحين أنبتت الأرض… لم يكن النبات هشّاً. كان صلباً، عنيداً، يشبه من زرعه. بدأت رحلة الصعود، لا صعود غرور، بل صعود وعي. ارتفعت السنابل لترى من عليائها لصوص الأوطان، أولئك الذين اعتادوا أن يسرقوا الأرض والقرار والدم، ويبيعوا الوهم باسم الواقعية. رأتهم صغاراً كما هم، مهما انتفخت جيوشهم وتعالت أصواتهم.

جلس الفلاح ــ الأب ــ على صخرة الحرية. لم يطالب ببيعة، ولم ينتظر شكراً. جلس ينظر بحنوّ وفخر. ما زرعه صار مقاومة، والمقاومة صارت بأساً شديداً. امتدّت الجذور، لا باعتداء، بل بطبيعة النمو: من فلسطين، حيث غزة عنوان الجرح والكرامة، إلى لبنان، حيث العاملون في الصخر علّموا العدو معنى الحدود، إلى عراق الحشد، حيث استعاد الدم العراقي اسمه، إلى يمن الأنصار، حيث الفقراء كسروا معادلة البحر والسلاح.

أصبحت هذه النباتات أنداداً. لا أدوات، ولا توابع، بل أنداداً حقيقيين. واجهت من كانوا في زمن غابر جيوشاً لا تُقهر، فإذا بالأسطورة تتصدّع، وإذا بالخوف يبدّل موقعه. هنا تحديداً فهموا لماذا الجمهورية. لأنّها لم تُنتج قوة عمياء، بل قوة واعية. لم تصنع قتالاً من أجل القتال، بل مقاومة تعرف لماذا تقف، ولماذا تصبر، ومتى تضرب.

ولذلك تُحارَب الجمهورية. لا لأنّها زرعت، بل لأنّ ما زرعته أثمر كرامة. لأنّها أثبتت أن الأرض، مهما قست، إذا لامسها الصدق، تُنبت. وأنّ وعد الله لا يأتي صدفة، بل يأتي حين يكتمل الجهد، ويُستوفى الصبر، ويُؤدّى ثمن الوقوف.

لماذا الجمهورية؟

لأنّها اختارت أن تكون فلاح التاريخ… لا سمساره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *