في علم الاقتصاد لا تُعدّ الخسارة المباشرة أخطر أشكال الفشل ، بل ما يُعرف بـ«كلفة الفرصة الضائعة» أي أن الأرباح التي كان يمكن تحقيقها لو أُحسن القرار في وقته ، هذه الكلفة لا تظهر في الميزانيات ولا تُسجَّل في دفاتر المحاسبة لكنها في الدول ذات الموقع الاستراتيجي قد تكون أفدح من أي عجز مالي معلن ، والعراق يمثل اليوم نموذجاً صارخاً لدولة تخسر بصمت لا لأنها تفتقر إلى الموارد ، بل لأنها تفتقر إلى الرؤية طويلة الأمد!.
يُعد موقع العراق الجغرافي أحد أهم أصوله غير المستثمرة ، فالعراق يقع في قلب طرق التجارة التاريخية وعلى تماس مباشر بين (الخليج وتركيا وبلاد الشام وإيران) أي دولة يمرّ عبرها طريق تجاري دولي (كطريق الحرير الحديث) يمكن أن تحقق مكاسب هائلة حتى دون امتلاكها (للنفط) (عوائد المرور ، وتخزين ، وخدمات لوجستية ، وإعادة تصدير ، وتحويل البضائع إلى قيمة مضافة عبر التصنيع والتغليف والتوزيع) هذه إيرادات تتحقق فقط لأن الدولة «موجودة في المكان الصحيح»
*(القيمة المضافة : هي الزيادة في قيمة السلعة أو الخدمة الناتجة عن تحويلها أو تحسينها أو تقديم خدمات إضافية لها ، بحيث تُباع بسعر أعلى من كلفة مدخلاتها، ويُعد هذا الفرق مصدر الدخل الحقيقي للاقتصاد) .
لكن ما يحدث في العراق هو العكس تماماً فبدلاً من تحويل الموقع إلى ميزة تنافسية تحوّل إلى فرصة ضائعة بسبب (الاستغلال المالي ، وتشتت القرار، وغياب التخطيط الاستراتيجي) إذ لا توجد مناطق اقتصادية حقيقية متكاملة ولا ربط فعّال بين (الموانئ ، والسكك ، والطرق السريعة ، والصناعة الوطنية) فضلاً عن ذلك لا توجد دراسات معلنة تسأل سؤالاً بسيطاً (كم يمكن أن نربح بعد عشر أو خمس عشرة سنة إذا استثمرنا هذا الموقع؟) الدولة تنفق على «اليوم» لا على بناء دخل للمستقبل .
تتجلى هذه المشكلة بوضوح في ملف الربط السككي بين العراق ودول الجوار ، خصوصاً حين يُطرح بوصفه مشروعاً تقنياً محايداً ، بينما هو في الحقيقة قرار اقتصادي استراتيجي بآثار بعيدة المدى ، فالربط السككي مع دول الجوار عندما يكون هدفه الأساسي نقل بضائع جاهزة من الخارج عبر الأراضي العراقية دون إدماج حقيقي للاقتصاد الوطني فإنه في الحقيقة لا يصنع تنمية ، بل يكرّس دور العراق كممرّ سلبي! ، في هذه الحالة يتحمل العراق كلفة (البنية التحتية) بينما تُنقل القيمة المضافة إلى خارج حدوده .
إن تحويل السكك الحديدية إلى قناة لعبور البضائع الأجنبية خصوصاً عندما تكون هذه البضائع منافسة للصناعة المحلية حالياً أو في المستقبل فهذا يعني إجهاض أي فرصة لبناء قاعدة صناعية وطنية!! ، فبدلاً من أن تكون السكك أداة لربط المصانع العراقية بالموانئ والأسواق ، تصبح أداة لإغراق (السوق المحلية ، وإدامة الاعتماد على الاستيراد ، وتعميق البطالة)! وهذه ليست خسارة مباشرة ، بل خسارة لما كان يمكن أن يكون (مصانع ، ومعامل عملاقة ، وسلاسل توريد داخلية ، وفرص عمل واسعة) قادرة على امتصاص نسب كبيرة من البطالة .
الدول التي نجحت في استثمار موقعها من (سنغافورة إلى هولندا) لم تفعل ذلك لأنها تملك موارد طبيعية هائلة ، بل لأنها حسبت كلفة الفرصة الضائعة وقررت ألا تكون مجرد ممر ) أما العراق اليوم فإنه يمتلك فرصة مشابهة ، بل أوسع لكنه لم يحسم خياره بعد (هل يريد أن يكون مركز إنتاج وتوزيع إقليمي ، أم مجرد طريق تعبره البضائع؟) .
إن أخطر ما في كلفة الفرصة الضائعة أنها غير مرئية للرأي العام ، المواطن يرى (الرواتب ، والضرائب ، والأزمات الآنية) لكنه لا يرى المصانع التي لم تُبنَ بعد والوظائف التي لم تُخلق والإيرادات التي لم تدخل الخزينة ، وهذه الخسارة الصامتة هي الأغلى ثمناً لأنها تراكم الفشل جيلاً بعد جيل !!.
خلاصة القول إن العراق لا يخسر لأنه فقير ، بل لأنه لم يحسب ما كان يمكن أن يكون غنياً به ، الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتحول الإدارة المالية من إدارة العجز إلى إدارة الإمكانات ومن صرف الموارد إلى استثمار الموقع ومن التفكير في الحاضر إلى بناء اقتصاد يرى المستقبل قبل أن يضيع مرة أخرى .


