لماذا تهتز الدولة العراقية من تغريدة خارجية هشاشة القرار والسيادة

لماذا تهتز الدولة العراقية من تغريدة خارجية هشاشة القرار والسيادة
يرى التحليل أن تأثر الداخل العراقي بالتصريحات الخارجية ناجم عن ضعف بنيوي داخلي لا عن قوة الخارج، نتيجة شرعية منقوصة، اقتصاد ريعي، تعدد الولاءات وتآكل الثقة. ويؤكد أن بناء مناعة الدولة هو السبيل لاستعادة القرار الوطني...

تشخيص الحالة: الحساسية المفرطة تجاه الخارج

لم يعد مستغرباً في المشهد العراقي أن تثير تغريدة لمسؤول أجنبي أو تصريح عابر لدبلوماسي حالة من الارتباك السياسي والأمني والإعلامي داخل البلاد؛ فالسوق يضطرب، والقوى السياسية تتأهب، والشائعات تنتشر، والمواطن يستعد نفسياً لسيناريوهات الأزمات. هذه الحساسية المفرطة تجاه الخارج لا تعكس قوة التأثير الخارجي بقدر ما تكشف ضعفاً بنيوياً عميقاً في الداخل.

بنية الدولة: شرعية منقوصة ومؤسسات غير مكتملة

الدول المستقرة لا تتغير سياساتها بسبب تصريح؛ لأن القرار فيها يُصنع داخل مؤسسات راسخة تستند إلى شرعية شعبية، واقتصاد منتج، وسيادة واضحة. أما حين يصبح التصريح الخارجي عاملاً مؤثراً في التوازنات الداخلية، فذلك يعني أن بنية الدولة نفسها تعاني من خلل في مصادر القوة والشرعية. المشكلة في العراق ليست إعلامية ولا نفسية فقط، بل هي مشكلة “هيكل دولة” لم يكتمل منذ عام 2003.

السياسة والولاء: طبقة أحزاب لا طبقة دولة

الطبقة السياسية في العراق لم تتطور إلى “طبقة دولة”، بل بقيت طبقة أحزاب تبحث عن الحماية والمكاسب، ولاؤها للحزب أو الجهة الداعمة قبل ولائها للمؤسسات. السياسي العراقي اليوم “مكشوف الظهر”؛ لا يحتمي بشرعية الإنجاز ولا بثقة المواطنين، ولهذا يرتبك مع كل إشارة من الخارج لأن بقاءه مرتبط بالتفاهمات الخارجية لا بالإرادة الشعبية.

الهشاشة الاقتصادية: رهن القرار ببرميل النفط

اقتصادياً، يعاني العراق من هشاشة واضحة؛ فهو اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط. الموازنة والرواتب والخدمات مرتبطة بسعر برميل تحدده أسواق خارجية وقرارات دولية، لذا فإن أي حديث عن عقوبات أو قيود مصرفية يتحول مباشرة إلى قلق مجتمعي حقيقي. الاقتصاد غير المنتج يجعل السيادة الاقتصادية محدودة، ويجعل البلد شديد الحساسية لأي متغير خارجي.

الملف الأمني والاجتماعي: تعدد الولاءات وفقدان الثقة

أمنياً، لا تزال المؤسسات تعاني من تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القوة؛ فالسلاح ليس حكراً على الدولة، وبعض القوى ترتبط بعلاقات إقليمية معلنة أو غير معلنة، مما يحول الخارج إلى لاعب داخلي فعلي.

اجتماعياً، تراكمت أزمة الثقة بين المواطن والدولة؛ عقود من الفساد جعلت الناس لا تصدق الخطاب الرسمي، بل وتصدق الإشاعة أو التصريح الأجنبي أكثر مما تصدق البيان الحكومي. وحين تفقد الدولة مصداقيتها، تفقد قدرتها على تهدئة الشارع وتوجيه الرأي العام.

الأثر النفسي الجمعي وإعلام الذعر

لعب الإعلام الحزبي دوراً سلبياً في تضخيم الأحداث وخلق الذعر لتحقيق مكاسب سياسية. كما لا يمكن إغفال الأثر النفسي الجمعي؛ فالمجتمع العراقي الذي عاش حروباً وحصاراً وانهيارات متكررة يعاني من حالة “خوف مزمن” من المجهول، فالذاكرة الثقيلة تجعل الاستقرار النفسي هشاً، وتجعل الشارع يتوقع الأسوأ دائماً.

الخاتمة: بناء المناعة لاستعادة القرار الوطني

الخلاصة أن المشكلة لا تكمن في التغريدة، بل في “ضعف مناعة الدولة”. استعادة التوازن لا تحتاج خطابات عالية السقف، بل مساراً واقعياً يبدأ ببناء مؤسسات مستقلة، وتقليل الارتهان الاقتصادي، وتثبيت احتكار الدولة للسلاح، وخلق عقد ثقة جديد مع المواطن عبر خدمات حقيقية ومحاسبة فعلية للفساد.

عندها فقط سيفقد التصريح الخارجي قدرته على إرباك الداخل، ويعود القرار عراقياً خالصاً؛ فالدولة التي تقف على قدميها لا تهتز من تغريدة، بل تجعل الآخرين يحسبون حساباً لكلماتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *