الدولة ليست مجرد بقعة جغرافية يسكنها شعب ولا مجموعة مؤسسات تحمل أسماء رسمية وتُرفع فوقها الأعلام ، بل هي قبل كل شيء (فكرة جامعة) وبوصلة أخلاقية وتنظيمية تضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، فالدولة في معناها العميق هي : عقد اجتماعي حيّ وشعور بالانتماء وإحساس مشترك بأن هذا الكيان ((لنا)) ونحن مسؤولون عنه بقدر ما هو مسؤول عنا .
ففي العراق تكمن المعضلة الأساسية في أن مشروع بناء الدولة انطلق من الأعلى إلى الأسفل ، بُنيت المؤسسات قبل بناء المواطن وكُتبت الدساتير والقوانين قبل أن تُبنى الثقة بين الناس والسلطة ، امتلكنا شكلاً قانونياً لدولة معترف بها دولياً ، لكن من دون روح جامعة أو مضمون اجتماعي راسخ ، فغاب العقد الاجتماعي وتحولت الدولة إلى كيان رسمي بعيد ، لا إلى بيتٍ مشترك يشعر المواطن أنه جزء منه .
هذا الغياب جعل العلاقة بين المواطن والسلطة علاقة خوف أو تبعية لا شراكة ، ولعقود طويلة لم يكن المواطن شريكاً في القرار ، بل كان في كثير من الأحيان موضوعاً للخطاب الرسمي أو هدفاً له ، ومع تآكل مفهوم الشراكة عاشت الحكومات بمعزل عن المجتمع ، ونظر الناس إلى الدولة بوصفها جهازاً منفصلاً عنهم لا امتداداً لإرادتهم!!.
وما زاد الطين بلّة الخلط المستمر بين مفهوم (الدولة والنظام السياسي) فالدولة (كيان ثابت وعابر للحكومات) بينما (الأنظمة تتغير) غير أن كل تغيير سياسي في العراق كان يتحول إلى زلزالٍ مخيف ، لأن المؤسسية الحقيقية لم تكن موجودة لتحمي الدولة من تقلبات السياسة كما حصل في إيران حينما تغر الحكم من ملكي الى جمهوري ، إذ غابت القواعد المستقرة عندنا وحلّت الاستثناءات محل القوانين فتآكلت فكرة الدولة بوصفها منظومة عدل متساوية للجميع .
وفي قلب هذه الأزمة يقف “الاقتصاد” : فالدولة لا تنمو من دون اقتصادٍ قوي ، والاقتصاد لا يزدهر من دون أمن ، ولا أمن حقيقياً من دون سيادة القانون على الجميع ، غير أن التجربة العراقية أظهرت أن القانون لم يكن في كثير من الأحيان ((المسطرة الواحدة)) بل كان خاضعاً للتوازنات والاستثناءات ما أضعف الثقة وخنق المبادرة وقيّد التنمية .
إلى جانب ذلك بقيت “هوية الدولة” موضع خلاف دائم : (هل نحن دولة مواطنة؟ أم دولة قومية؟ أم طائفية؟ أم عشائرية؟ أم دولة حزب واحد؟) هذا التردد جعل الدولة بلا رسالة واضحة ، فالدول لا تُبنى بالحياد القَلِق ، بل برؤية واضحة لا تخجل من التنوع وتحوّله من عبء إلى مصدر قوة .
ولم يكن الخوف من الحرية أقل خطورة ، فالدولة الحديثة تُبنى على حق السؤال والمساءلة ، بينما ساد في العراق خوف مزمن من النقد والصوت المختلف ، مع أن الدولة القوية هي التي تتسع للنقد لا التي تضيق به ، ومع انشغال الجميع بإطفاء حرائق يومية (طائفية وأمنية وسياسية) تآكل الخيال السياسي وغابت الدولة بوصفها مشروع مستقبل لتُختزل في نظر كثيرين إلى مجرد جهة خدمية!.
هنا تبرز مسؤولية (النظام المركزي) بوصفه أحد أهم أسباب فشل بناء الدولة ، فالمركزية الشديدة راكمت السلطة والقرار في العاصمة وعطّلت المحافظات وأخضعت التنمية لموافقات سياسية معقّدة وبطيئة ، وحين تعجز الدولة “المركزية” عن إدارة بلد متنوع ومعقّد كالعراق ، فإن الإصرار على المركزية لا يكون حفاظاً على الدولة ، بل استنزافاً لها .
الحل لا يكمن في هدم الدولة ، بل في (إعادة بنائها من الأساس) عبر عقد اجتماعي جديد (مواطن واعٍ ودولة عاقلة وقانون واحد واقتصاد مفتوح وهوية وطنية واضحة) وفي هذا السياق تمثل ((اللامركزية الإدارية وتشكيل الأقاليم)) خياراً عقلانياً وضرورة إدارية لا مشروعاً تقسيمياً ، فعندما تفشل الإدارة المركزية في حل المشكلات الكبرى يصبح من الحكمة (تجزئة المشكلة لا تفكيك الدولة) عبر تمكين الأقاليم من إدارة شؤونها وتحمّل مسؤولياتها التنموية والاقتصادية ضمن دولة اتحادية واحدة .
عندها فقط يمكن القول: ((هذه الدولة لنا ونحن لها))


