| في كل موسم انتخابي في العراق، يتصدر المشهد خطاب مليء بالشعارات عن التغيير ومحاربة الفساد والدفاع عن حقوق الشعب. لكن خلف هذا الضجيج السياسي، تنشط ظاهرة أكثر خطورة لأنها تلبس نفسها ثوب الثقافة والإعلام، وهي الانتهازية الانتخابية لدى بعض المثقفين والإعلاميين. أولئك الذين كان يفترض أن يكونوا صوت المجتمع وضميره، يتحولون فجأة إلى أبواق دعاية مجانية لمن يعدهم بالمال أو المقعد أو النفوذ أو حتى مجرد الحظوة في موكبه.
المثقف الذي كان يرفع شعارات الحرية وينتقد السلطة في الأمس، يصبح اليوم جزء من ماكينة الدعاية، يلمع صورة المرشح، ويعيد تدوير خطاباته، ويبحث له عن مبررات في أخطاء الماضي، ويخلق له بطولة لم يعشها. والإعلامي الذي يفترض أن يحاسب، يمسي مروج وشاهد زور، يختلق المقابلات ويركز الضوء على وجوه يشكل وجودها في الحقيقة استمرار للأزمة نفسها التي يدعون معالجتها. هذه الانتهازية تقوم على تبديل القناعات على الطريقة الموسمية، مواقف لا تستند إلى فهم أو قراءة للمشهد، بل إلى حسابات شخصية ضيقة.. وظيفة في مكتب سياسي، منصب إعلامي في قناة حزبية، تمويل لبرنامج، أو حتى امتياز بسيط يشعر صاحبه أنه بات أقرب إلى السلطة. وهكذا تباع الأفكار في مزاد مفتوح، من يدفع أكثر يأخذ قلم أكثر سخونة وميكروفون أعلى صوتًا. والأخطر من ذلك أن هذا السلوك يربك الجمهور ويشوه وعيه السياسي، فعندما يرى الناس من كانوا يهاجمون مرشح بالأمس باتوا اليوم أصدقاءه المقربين، يصابون بالإحباط والشك بكل شيء. يتآكل الإيمان بالتغيير، ويصبح من الصعب على الناخب أن يثق بأي خطاب، لأن الثقافة ذاتها ، وهي آخر حصون الوعي ، بدت عرضة للبيع. إن المشكلة ليست في أن يدعم المثقف مرشح أو جهة سياسية، فهذا حق طبيعي. المشكلة تكمن في التطبيع مع بيع الموقف. في أن تصبح الكتابة أو المنبر الإعلامي ورقة ضغط أو أداة عقد صفقات. وحين تصبح الانتخابات موسم للتكسب على حساب القيم، يفقد المثقف دوره الريادي، ويتحول الإعلام إلى سوق، وتغيب الحقيقة. وحين تخرس الكلمات الحرة، وتكتب الرسائل تحت الطلب، يتحول المشهد من منافسة سياسية إلى مسرحية تمثل فيها الوجوه أدوارها المؤقتة حتى إعلان النتائج. ولعل الواجب الأخلاقي الأكبر اليوم هو أن يستعيد المثقف رسالته الطبيعية، أن يكون حارس الوعي لا سمسار مصالح، وأن يعيد الإعلامي دوره الرقابي بدل أن يكون جزء من الدعاية الممولة. فالمجتمع الذي يفقد مثقفيه يفقد بوصلته، وحين تصمت النخب عن المبادئ، تتحدث الفوضى ويخبو الأمل. إن محاربة الانتهازية الانتخابية ليست معركة سياسية فقط، بل معركة قيم. هي دفاع عن معنى الثقافة نفسها ومعنى الإعلام ودوره. وإن أراد المثقف أن يبقى ضمير للأمة، فعليه ألا يبيع صوته ولا قلمه ولا صورته في لحظة يظن فيها أن التقرب من السلطة هو طريق النفوذ. فالقيمة الحقيقية لا تمنح من سلطة عابرة، بل تبقى مع من اختار أن يقف مع الحقيقة حتى وإن خسر كل شيء آخر. |


