الأراضي العراقية بين مطرقة داعش وسندان العمال الكردستاني

الأراضي العراقية بين مطرقة داعش وسندان العمال الكردستاني
يرصد التحليل تحديات أمنية وسيادية تواجه العراق مع تحركات PKK واحتمال تسلل قسد، وتداعيات فراغات الحدود وعودة تهديد داعش، داعياً إلى قرار وطني واضح، وضبط الحدود، وتنسيق إقليمي يحفظ السيادة ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة صراع....

المقدمة:

تشهد البيئة الأمنية المحيطة بالعراق تحولات متسارعة، تتقاطع فيها آثار ما بعد تنظيم داعش مع إعادة تموضع جماعات مسلحة عابرة للحدود. فبينما لم تُغلق ملفات الإرهاب بشكل نهائي، يبرز تحدٍ جديد يتمثل في وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) واحتمال انتقال عناصر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الداخل العراقي. هذا الواقع يضع الدولة أمام اختبار سيادي وأمني معقد، تتداخل فيه حسابات الأمن القومي مع ضغوط إقليمية ودولية.

العرض:

أولاً: السياق الإقليمي والتحولات الجارية

أدت الحرب في سوريا وتبدل أولويات القوى الدولية إلى خلق فراغات أمنية على امتداد الحدود مع العراق. هذه الفراغات لطالما شكّلت بيئة مناسبة لعودة الجماعات المتطرفة أو تحركات التنظيمات المسلحة.

انسحاب حزب العمال الكردستاني بسلاحه إلى شمال العراق قبل أشهر، وفق تفاهمات مع تركيا، لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من إعادة انتشار أوسع تهدف إلى إيجاد ملاذ آمن. وفي المقابل، يلوح احتمال تسلل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الأراضي العراقية، ما يفتح الباب أمام اندماج محتمل مع حزب العمال الكردستاني في مناطق مثل سنجار وقنديل.

ثانياً: عقدة سنجار وقنديل – الجغرافيا بوصفها عامل تهديد

تُعد منطقتا سنجار وقنديل من أكثر المناطق حساسية في الحسابات الأمنية العراقية. فطبيعة الجبال الوعرة وتشابك النفوذ المحلي والإقليمي جعلا منهما ملاذاً مثالياً للجماعات المسلحة.

احتمال التنسيق بين قسد وPKK في هذه المناطق يخلق معادلة أمنية معقدة تقوم على:

– تراكم الخبرة القتالية لدى هذه الجماعات.

– صعوبة السيطرة العسكرية الكاملة دون كلفة سياسية وإنسانية عالية.

– استخدام هذه المناطق كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية.

ثالثاً: عودة تهديد داعش – الخطر الكامن

رغم الضربات القاسية التي تلقاها تنظيم داعش، إلا أن التنظيم لم يُهزم فكرياً ولا تنظيمياً بشكل كامل. الأخطر أن السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي انسحبت منها إثر المواجهات الأخيرة، كانت تحوي آلاف السجناء من عناصر داعش، بينهم أجانب وعرب وعراقيون. ومع فقدان السيطرة على هذه السجون وفتحها نتيجة الفوضى الميدانية، تمكن هؤلاء من الهروب، وربما سيتجهون نحو الحدود العراقية محاولين التسلل إليها.

هذا التطور يعيد طرح سيناريوهات خطيرة، أبرزها:

– إعادة تنشيط الخلايا النائمة.

– استهداف المناطق الغربية للعراق التي ما زالت بعض بيئاتها تشكّل حواضن محتملة.

– الربط بين الفوضى الحدودية والنشاط الإرهابي.

رابعاً: تحدي السيادة وحدود الرد العراقي

المعضلة الأساسية التي تواجه العراق لا تكمن فقط في طبيعة التهديدات، بل في كيفية إدارتها ضمن إطار سيادي واضح. فغياب قرار وطني حاسم تجاه الجماعات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة يضعف الموقف العراقي ويفتح المجال لتدخلات خارجية.

المطلوب هو خطة وطنية واضحة تشمل: 

– قرار قانوني وسياسي: تحديد وضع الجماعات المسلحة وتصنيفها بشكل صريح.

– انتشار أمني واستخباراتي: تعزيز السيطرة على الحدود وتنفيذ عمليات دقيقة ضد الجماعات المهددة.

– حماية المجتمع: الاستثمار في تنمية المناطق الحدودية لتقليل قابلية الاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة.

– تنسيق إقليمي محسوب: إدارة العلاقات مع دول الجوار بما يحفظ مصالح العراق ويمنع استخدام أراضيه كساحة صراع.

الخاتمة:

يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن يبقى ساحة مفتوحة لتقاطعات الصراعات الإقليمية، وإما أن يحوّل هذه التحديات إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أمنه الوطني على أسس راسخة. إن الأراضي العراقية بين مطرقة داعش وسندان العمال الكردستاني ليست مجرد توصيف لحالة أمنية عابرة، بل تحذير استراتيجي من مستقبل أكثر خطورة إذا لم تُتخذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *