نظرية معادلة (3×3): حين يُدار العراق بتوازنات جغرافية لا وطنية

نظرية معادلة (3×3) حين يُدار العراق بتوازنات جغرافية لا وطنية
يحلّل النص معادلة «3×3» كنظام محاصصة غير دستوري أعاد احتكار القرار في جغرافيا محددة، ويؤكد أن كسر هذا الخلل لا يكون إلا بتفعيل اللامركزية الدستورية وتشكيل الأقاليم كمدخل للعدالة السياسية....

منذ ما بعد عام 2003  لم يُحكم العراق بنصوص الدستور بقدر ما أُدير بمعادلة سياسية غير مكتوبة لكنها شديدة الفاعلية، يمكن تسميتها اختصاراً بـ (نظرية 3×3) وهي معادلة تقوم على توزيع الرئاسات الثلاث على ثلاث مجموعات جغرافية محددة منها ثلاث محافظات وسطى (بغداد، النجف، كربلاء) تختار رئيس الوزراء حصراً وثلاث محافظات شمالية (أربيل، السليمانية، دهوك) تختار رئيس الجمهورية وثلاث محافظات غربية (نينوى، صلاح الدين، الأنبار) تختار رئيس مجلس النواب ، أما بقية محافظات العراق والتي عددها تسع أيضاً  فهي خارج هذه القسمة السياسية (محكومة لا حاكمة) و(مُمَوِّلة لا مُقرِّرة)!.

هذه المعادلة لا تستند إلى الدستور ولا إلى معيار الكفاءة ولا إلى حجم السكان أو المساهمة الاقتصادية!! ، بل إلى (عرفٍ سياسي اسمهُ المحاصصة) تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه القانون غير المعلن ، والأخطر من ذلك أنها تُقدَّم دائماً بوصفها (توازناً وطنياً) بينما هي في الواقع “توازن نخب” يُعيد إنتاج السلطة داخل حلقة مغلقة! .

السخرية السياسية هنا ليست في وجود المحاصصة فحسب ، بل في (انتقائيتها الجغرافية) فمحافظات الجنوب  وفي مقدمتها (البصرة ) وهي أكبر محافظة منتجة للنفط والرافد الأساسي “للموازنة العامة والاطلالة الوحيدة البحرية للبلد تبقى دائماً خارج دائرة القرار السيادي ، تُطلب منها (الموارد، والصبر، وضبط الشارع) لكنها لا تُستشار حين يُصاغ القرار ولا حين يُختار رأس السلطة التنفيذية!.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه (إلى متى يبقى مصير العراق مرهوناً بمباركة سياسيي هذه المحافظات التسع المختارة ضمن معادلة 3×3؟ ولماذا تُختزل “الوطنية” في جغرافيا محددة ، بينما تُعامل بقية المحافظات بوصفها أطرافاً خدمية لا شركاء سياسيين؟!.

إن “الحكم المركزي” في العراق لم يفشل لأنه مركزي فقط ، بل لأنه (مركزي انتقائي) يمنح الامتيازات السياسية لمناطق بعينها  ويُحمّل بقية المناطق كلفة الدولة من دون أن يمنحها أدوات التأثير ، وهكذا تتحول الدولة إلى مشروع إدارة توازنات لا مشروع حكم رشيد وتتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج المعادلة نفسها لا لتغييرها !.

في هذا السياق نفسه لم يعد الحديث عن “اللامركزية أو الأقاليم” ترفاً فكرياً أو شعاراً احتجاجياً ، بل أصبح (ضرورة سياسية) بعد فشل المركز ، فالدستور العراقي نفسه في المواد (116-121) لم يضع خيار الأقاليم بوصفه استثناءً أو تهديداً للوحدة ، بل بوصفه آلية دستورية لتنظيم الدولة ومنع تغوّل المركز .

إن المحافظات الواقعة خارج (حلقة 3×3) إذا أرادت الخروج من دور “المموّل الصامت” لا تملك سوى خيارين ( إما الاستمرار في انتظار عدالة مركزية لم تأتِ منذ أكثر من عقدين ، أو اتخاذ قرار سياسي واعٍ “باللجوء إلى الدستور” وتشكيل أقاليم قادرة على بناء “لوبيات ضغط حقيقية” داخل الدولة الاتحادية .

فالإقليم لا يعني الانفصال ، بل يعني إدارة الموارد محلياً  وتحديد الأولويات وفق الحاجات الفعلية أو كما تسمى بسلم الأولويات لا وفق المزاج المركزي ، ويعني أيضاً نقل جزء من الصراع من كونه صراع تهميش إلى صراع تفاوض مؤسسي  تُحسب فيه المصالح والأرقام لا الانتماءات الجغرافية .

إن استمرار (معادلة 3×3) لا يهدد فقط العدالة بين المحافظات ، بل يهدد فكرة الدولة نفسها  لأنها تُبنى على شعور دائم بالإقصاء لدى أغلبية جغرافية واقتصادية ، والدولة التي تُدار بمنطق “من يبارك أولاً” لا بمنطق “من يساهم أكثر” هي دولة تؤجّل أزماتها ولا تحلّها .

خلاصة القول: ما لم تُكسر (حلقة 3×3) عبر تفعيل اللامركزية الدستورية وتشكيل الأقاليم سيبقى العراق يدور في فلك معادلة ضيقة (تتغيــــــر فيه الوجـــــــــــوه وتُبقى القواعــد كما هي) أما الخروج من هذه الحلقة فلا يبدأ من المركز ، بل من الأطراف التي قررت أخيراً أن (((تكــون شـريـكــــــاً لا تـابـعـــــاً))).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *