مقدمه :
تظهر الفجوة الكبيرة في نظام مخصصات الرواتب بين المؤسسات الحكومية العراقية صورةً صارخةً لعدم العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فبينما تصل مخصصات بعض الجهات إلى 900% من الراتب الأساسي تعمل وزارات ومؤسسات أخرى بدون أي مخصصات مالية مما يخلق نظامًا طبقياً داخل جهاز الدولة نفسه.
*واقع التفاوت في المخصصات:
يظهر التفاوت الشديد في مخصصات الرواتب عند مقارنة مختلف المؤسسات:
١· الرئاسات الثلاث والنخب: تحصل رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، رئاسة مجلس النواب، وأمانة مجلس الوزراء على مخصصات تصل إلى 900% أو أكثر. كذلك تحصل هيئات مثل الحج والعمرة والشهداء والسجناء على مخصصات حصرية مساوية لرئاسة الوزراء.
٢· الوزارات السيادية والنفطية: تستفيد وزارات مثل النفط والكهرباء والصحة وهيئة الطيران المدني من مخصصات تتراوح بين 150% إلى 310% حسب موقع العمل.
٣· الوزارات الخدمية: تعمل العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية بدون أي مخصصات مالية مما يوسع الفجوة بين موظفي الدولة أنفسهم.
*الأرقام الصادمة: 6000 موظف يستنزفون 40% من رواتب الدولة
بحسب التحليلات الاقتصادية، هناك نحو 6000 موظف من فئة الدرجات الخاصة (وكلاء الوزراء، المديرون العامون، المستشارون) من أصل نحو 4 ملايين موظف حكومي.
١· يستحوذ هؤلاء على حصة الأسد من الرواتب حيث يستهلكون حوالي 40% من إجمالي الإنفاق على رواتب الدولة.
٢· يُقدر عدد الدرجات الوظيفية لمنصبي وكيل وزير و مدير عام بأكثر من 500 درجة (أ) و5030 درجة (ب) وهو عدد يفوق ما هو موجود في دول مثل بريطانيا وأميركا.
* رواتب المسؤولين:
١ · رئيس الجمهورية: 50 مليون دينار راتب + 40 مليون بدلات
٢· رئيس الوزراء: 40 مليون دينار راتب + 20 مليون بدلات
٣· رئيس البرلمان: 35 مليون دينار راتب + 20 مليون بدلات
*عبء اقتصادي كبير غير مستدام:
يضع نظام الرواتب الحالي ضغطاً هائلاً على الاقتصاد العراقي الهش وكما مبين ادناه :
١· الاعتماد على النفط: تحتاج أسعار النفط للبقاء فوق 55-60 دولاراً للبرميل لضمان دفع الرواتب مما يجعل الاقتصاد رهينةً لتقلبات السوق.
٢· الإنفاق التشغيلي: يستهلك الإنفاق على الرواتب والتقاعد والخدمات ما يقرب من 96 تريليون دينار أي حوالي 90% من إجمالي الإنفاق العام.
٣· ديون متراكمة: بلغ إجمالي الدين العام العراقي حوالي 150 مليار دولار مع ارتفاع الدين الداخلي بشكل حاد ليصل إلى 91 تريليون دينار.
٤· عدد المستفيدين: يعتمد أكثر من 10.5 مليون عراقي (ربع السكان) على رواتب الدولة بما فيهم 4.2 مليون موظف و3 مليون متقاعد و3 مليون من مستفيدي الشبكة الاجتماعية.
*معاناة الموظف العادي وسط الأرقام الفلكية:
يعاني الموظف العادي في الدولة من:
١· عدم معرفة الكثيرين بدرجاتهم الوظيفية أو كيفية احتساب رواتبهم.
٢· تعطل نظام العلاوات والترفيعات منذ سنوات بحجة الأزمة المالية رغم أنها حق مكفول بالقانون.
٣· تفاوت كبير حتى داخل السلم الوظيفي نفسه، حيث يستلم بعض الموظفين مخصصات 200% بينما يحصل آخرون على مقطوعات قدرها 150 ألف دينار فقط.
*جهود إصلاحية متعثرة:
شهدت السنوات الماضية محاولات لإصلاح النظام:
١· جمع أكثر من 60 توقيعاً نيابياً لتعديل قانون سلم الرواتب وتخفيض رواتب الرئاسات الثلاث.
٢· اعتراف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بأن نظام سلم الرواتب يحتاج إلى قرار سياسي لأنه يرتبط بـ34 قانوناً يجب إلغاؤها لتوحيد الرواتب.
٣· إجراءات تقشفية محدودة مثل تخفيض حصص الوقود بنسبة 50% وبيع السيارات الحكومية غير المستخدمة لكنها لا تكفي لمعالجة المشكلة الهيكلية.
*طريق الإصلاح: اقتراحات وتوصيات:
لتحقيق العدالة وتخفيف العبء الاقتصادي، يمكن النظر في عدة إجراءات:
١· توحيد سلم الرواتب: إلغاء القوانين الخاصة (34 قانوناً) واعتماد سلم موحد لا يتجاوز فيه أعلى راتب 6 أضعاف أدنى راتب.
٢· تخفيض عدد الدرجات الخاصة. تقليص عدد وكلاء الوزراء والمديرين العامين والمستشارين الذين يصل عددهم حالياً إلى الآلاف.
٣· مراجعة المخصصات والامتيازات: تقليص الحمايات الشخصية والمواكب والإيفادات غير الضرورية والاكتفاء بحماية أساسية للمسؤولين.
٤· إصلاح نظام التقاعد: مراجعة رواتب المتقاعدين الكبار ووقف صرف رواتب متعددة لنفس الشخص.
٥· تعزيز الرقابة المالية: تفعيل دور ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة للحد من الهدر في المال العام.
*خاتمه:
نظام المخصصات الحالي في العراق ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو قضية عدالة اجتماعية واقتصادية وجودية. الفجوة الهائلة بين رواتب النخبة والموظف العادي تُضعف الثقة في الدولة وتستهلك موارد كان من الممكن توجيهها للإعمار والتنمية. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجاوز المصالح الضيقة لأن استمرار هذا النظام يعني مزيداً من التدهور الاقتصادي والاجتماعي للعراق وشعبه.


